114
الجزء ١ · صفحة ٤٩٨﴿ ومَنْ أَظلمُ ممن منَع مساجدَ اللهِ أن يُذْكَر فيها اسمُه وسَعَى فى خرابها ﴾ : أى لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه بتلاوة كتابه والصلاة والتسبيح والاستغفار ، فإن القرآن وسائر كتب الله والصلاة والتسبيح والاستغفار لا تخلو من ذكر اسم من أسماء واجد الوجود سبحانه وتعالى ، والآية بلفظها تشمل كل من هدم مسجداً أو مصلى أو منع الناس من دخوله أو من العبادة فيه جهاراً ، أو فعل فيه ما ينفر عنه الناس كغيبة المسلمين فيه والحمية فيه ، والركون فيه إلى الباطل والتلبيس على العوام ومن لا بصيرة له ، فإن خراب المسجد أو المصلى كما يكون بهدمه ، يكون بترك عمارته . والاستفهام بمعنى النفى كما رأيت ، وليست مجردة عن الاستفهام بالكلية ، فإن المراد الاستفهام التوبيخى أو التقريرى المشوب بالنفى ، ومصدر يُذْكر مفعول ثان لمنع أو على تقدير مِنْ الجارة ، أى من أن يذكر فيها اسمه ، أو بدل اشتمال المساجد ، والرابط ( ها ) من قوله فيها ، فإن ذكر اسم الله تعالى فيها ملابس لها بغير الجزئية أو الكلية ، أو مفعول لأجله على حذف مضاف ، أى كراهة ذكر اسمه تعالى فيها .
قال الكلبى : والآية نزلت فى النصارى قبحهم الله لما طرحوا الأذى فى بيت المقدس ومنعوا لاناس أن يصلوا فيه : وغزوا أهله وخربوه وأحرقوا التوراة ، وقتلوا أهله وسبوا وغنموا . وقيل : فى مشركى العرب لما منعوا النبى ، A ، من إظهار دينه فى المسجد الحرام والصلاة فيه ، ويؤذونه إذا فعل ذلك ، وكذا أتباعه رحمهم الله قبل الهجرة ومنعوهم بعدها عام الحديبية من الحج ودخول مكة والمسجد الحرام ، وبه قال ابن زيد . وقيل : نزلت فى ذلك كله فعلة النصارى وفعلة العرب . وروى أن طوس الرومى غزى بنى إسرائيل فقتل مقاتلتهم وسبا ذراريهم وأحرق التوراة وخرب بيت المقدس ، فلم يزل خراباً حتى بنان المسلمون فى زمان عمر بن الخطاب ، رضى الله عنه ، وهذا هو عين القول الأول وفيه بيان سلطانهم واسمه . وقيل : إن بخت نصر المجوسى البابلى هو الذى غزا بنى إسرائيل وخرب بيت المقدس ، وأعانه النصارى على ذلك من أجل أن اليهود قتلوا يحيى بن زكريا ، ونزلت الآية فى ذلك ، ورجح ابن جرير الطبرى القول الأول وهو تفسيره مجمع على حسنه واعتباره . قال : إن النصارى هم الذين سعوا فى خراب بيت المقدس ، بدليل أن مشركى العرب لم يسعوا فى خراب المسجد الحرام ، وإن كانوا قد منعوا رسول الله A ، فى بعض الأوقات من الصلاة فيه ، وأيضاً الآية التى قبل هذه وبعدها فى ذم أهل الكتاب ، ولم يَجْرِ لمشركى العرب ذكر ، ولا للمسجد الحرام .