هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

79

الجزء ١ · صفحة ٣٨٦

﴿ فَوَيْلٌ ﴾ : قال ابن عباس رضى الله عنهما : الويل شدة العذاب ، وأخرج الترمذى عن أبى سعيد الخذري وقال حديث غريب عن رسول الله A : « الويل واد فى جهنم يهوى فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره » والخريف عبارة عن العام ، لأنه بعض العام ، وفى رواية عن أبى سعيد : وادٍ فى جهنم بين جبلين يهوى فيه الهاوى أربعين خريفاً ، وكذلك رواه غير الترمذى مرفوعاً إليه A أنه واد فى جهنم . ورواه ابن المنذر مرفوعاً عن ابن مسعود ، وروى سفيان الثورى وعطا ابن يسار أنهُ واد يجرى بفناء جهنم من صديد أهل النار ، وروى عثمان بن عفان عن النبى A أنه جبل من جبال النار ، وقول الخليل أنه شدة الشر هو فى معنى قول ابن عباس ، ومعنى كونه لهم وهو واد أو جبل أن لهم فيه مكانا يعذبون فيه ، وليسوا مختصين به ، وأصله مصدر لا فعل له على المشهور ، وقيل له فعل هو وال ، ومعناه تحسر وهلك ، وتقوله العرب لمن وقع فى هلكة ، وقال أبو حيان : لم يصح عن العرب فإنما سمى به الوادى أو الجبل المذكور ، لأنه سبب وملزوم للهلاك والتحسر ، وآلة العذاب ، فهو مجاز مرسل ، ويجوز إبقاؤه فى الآية على المصدرية وساغ الابتداء به مع أنه نكرة ، لأنه جاء على طريقة الدعاء فى كلام العرب ، وليس بدعاء حقيقة لأنهُ تعالى مالك كل شئ وقادر على كل شئ .

﴿ للَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ : فقط بدون أن تسبقهم كتابة من الله ، أو من موسى ونحوه من الصادقين ، فكان ما يكتبوه كذباً إذ لم يكن من الله لفظه ومعناه ، ولا معناه والكتابة ، ولو كانت لا تكون إلا باليد لكن لما أريد بذكر الأيدى التعبير عن أنهم كتبوا من عند أنفسهم لا صدقاً ، لم يكن ذكر الأيدى تأكيداً فى المعنى ، لقوله : ﴿ يكتبون ﴾ وأيضاً قد يكون الإنسانُ كاتباً بغير يده بأن يأمر من يكتب ، فاحترز عن هذا بقوله : ﴿ بأيديهم ﴾ فليس تأكيداً ، لأن ما احترز به عن المجاز ليس تأكيداً ، ولو كان لو لم يحترز عنه لحمل الكلام على الحقيقة ، وكتابه الحرام والأمر بها كلاهما لا يجوز وأما الكتابة بالطابع فمن الكتابة باليد ، لأن رسم حروفها ، والمسح عليها بالمداد وتطبيق الورقة عليها باليد . وقال القاضى جار الله : إن قوله بأيديهم تأكيد فى المعنى لقوله : ﴿ يكتبون ﴾ ، مراعاة لكون الكتابة الحقيقة لا تكون إلا باليد وأظنهما غفلا عن كون الأيدى ذكرت عبارة عن كون مكتوبهم كذباً ، ثم رأيت أن ابن السراج ذكر أن قوله بأيديهم كناية عن أنهُ من تلقائهم دون أن ينزل عليهم ، والحمد لله والكتاب اسم لما يكتب فيه من نحو ورق وجلد ، ولا يسمى كتاباً إلا بعد أن يكتب فيه بعض الكتابة ، وتسميته كتاباً ، قبل ذلك من مجاز الأول ، فالآية من هذا المجاز ، ويجوز أن يراد الحقيقة بأن سماه كتاباً باعتبار ما يتحصل فيه أولا من ذكر ، ثم ذكر لهم الويل لما يكتبونه فيه بعد من تحريف وكذب .

٣٨٦ / ٧٬٦٨٠