هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

88

الجزء ١ · صفحة ٤١١

﴿ وَقَالُوا ﴾ : لرسول الله A .

﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ : مغطاة بأغطية خلقت عليها فلا يصل إليها ما تقول يا محمد ولا نَفْقَه ، وهذا كذب منهم بل ذل قلوبهم وفهموه حقا ولم تخلق عليهم أغطية وجحدوه عمداً ، ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك عناداً ظاهراً وجحوداً مواجهاً ، بمعنى أن قلوبهم لم تقبل ما جاء به ، ولو كان حقا . ويحتمل أن يكون ذلك كناية عن أنهم لا يقبلون كلامه ، ولو قبلته قلوبهم وكان حقا ، ويحتمل أن يكون المعنى أن قلوبهم تأبى قبول ما قال ، لكونه خطأ فذلك كناية منهم قبحهم الله عن أن ما يقول ليس بحق ، وأنه لو كان حقا لأثر فى قلوبهم . وإن قلت : كيف صح الاحتمال الذى قبل هذا ، مع أن لفظ قلوبنا غلف ينافيه؟ قلت : صح لأنه لا يلزم استعمال الكناية فى المعنى الحقيقى مع لازمه ، بل تستعمل فيها تارة وتستعمل فى لازمة فقط أخرى ، وعدم قبول كلام الإنسان فى الجملة يجوز أن يكون عن كون قلب السامع مغطى ، والغلف جمع أغلف ، والأغلف الذى لم يختن ، استعير للقلب المغطى بجامع كون الستر على كل من القلب بما غطى به فى زعمهم ، ومن رأس الذكر بالغفلة التى يقطعها الخاتن ، ولذلك صح ذلك الجمع هنا ومفرده فإن أفعل وفعلا فيما هو خلقه أو لون كأبكم وبكم وأحمر وحمر ، قال الحسن : غلف قلف لم تختن ، لقولك يا محمد ، وقال ابن مجاهد عن أبيه : غلف أى فى أكنة ، والمعنى واحد ، لأن هذا معنى لفظ الاستعارة فى كلام الحسن ، وتفسير الغلف بالمغطاة مروى عن ابن عباس ، وهو أيضاً معنى ذلك اللفظ ، وذلك كقوله : ﴿ قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه ﴾ وفى رواية عن ابن عباس : أن الغلف جماعة ، والواحد غلاف وأصله غلف بضم اللام كالغين سكن تخفيفاً ، وقد روى عن أبى عمر شذوذاً بضم اللام كالغين على أصل ، وإن المعنى إن قلوبنا أوعية للعلم لا تسمع علماً إلا وعنه ، ولا تعى ما تقول لأنه ليس حقاً ، وقيل قلوبنا أوعية للعلم مملوءة به ، مستغنية عما تقول قال الله D ردا عليهم :

﴿ بَل لَّعَنتمُ اللهُ بِكُفْرِهِم ﴾ : أى لم يخلق الله غطاء على قلوبهم مانعاً من فهم ما يقول محمد . وقبوله وإنما خلقهم على الفطرة والتمكن من فهمه وقبوله ولذلك عصوا بمخالفة التوراة فكفروا فأبعدهم الله بكفرهم الموجب للإبعاد عن قبوله وفهمه ، فذلك خذلان فبطل تمكنهم بسوء اختيارهم مخالفة التوراة وذلك جزاء على الذنب بذنب أعظم منه ، ويجوز أن يكون لما زعموا أن قلوبهم ممتنعة من قبوله وفهمه لكونه غير صواب ، رد الله تعالى عليهم بأنها لم تمتنع لكونه غير صواب ، لأنه صواب ، بل امتنعت للخذلان الذى جره كفرهم السابق من مخالفة أمر التوراة ، كقوله :

٤١١ / ٧٬٦٨٠