هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

87

الجزء ١ · صفحة ٤٠٧

﴿ وَلَقدْ آتَيْنَا مُوسى الْكِتابَ ﴾ : التوراة نزلت عليه بمرة ، واللام فى قوله ( لقد ) لام ابتداء عند بعض ، ولام جواب قسم محذوف عند بعض ، ورجحه كثير ومعناه التوكيد على القولين ، قال السهولى : موسى مفعول ثانى والكتاب مفعول أول ، ووجهه عندى أن ههمزة آتينا للتعدية ، صيرت الفاعل مفعولا وهى مزيدة على أتى الثلاثى للتعدية والمفعول الذى أصله فاعل هو الذى يسمى مفعولا أولا ، والمعنى ولقد جعلنا الكتاب آتياً موسى بالغاً إليه ، وقال غيره : موسى مفعول أول والكتاب مفعول ثان ، ووجهه عندى أنه ضمن آتينا معنى أعطينا ، فكان موسى آخذاً فهو الفاعل فى المعنى فهو المفعول الأول .

﴿ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ﴾ : تشديد قفينا للتأكيد والياء للتعدية قائمة مقام الهمزة التى للتعدية ، ويجوز كون التشديد للتعدية لا للتأكيد ، والرسل مفعول به والياء زائدة فيه ، والمعنى اتبعنا الرسل بعضها بعضاً أى صيرنا بعضها يتبع بعضاً . قفى زيد عمراً أى جعله قافياً إياه ، أى تابعاً له وذلك من القفا ويقال أيضاً : قفيت فلاناً فلاناً إذا جئت به من جهة قفاه ، وقفوته بالتخفيف تبعته ، وقفوته ببكر أى تبعته به ، ويقال ذنبته بالتشديد أى صيرته ذنباً ، والمعنى اتبعنا الرسل الكثيرة بعد موسى خلف بعض ، وهم : يوشع وإسمؤيل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم ، كما ذكره الزمخشرى ، وكلهم يحكمون بالتوراة حتى بعث الله عيسى بن مريم وأنزل عليه الإنجيل وخالف بعض الإنجيل بعض التوراة ، فقال بعضهم : الإنجيل هو المراد بالآيات البينات فى قوله D :

﴿ وآتَيْنَا عيسَى بنَ مَرْيَم الْبَيِّنَاتِ ﴾ : أى الآيات الواضحات الدالة على الأحكام الشرعية ، وهى الآيات التى تتلى فى الإنجيل ، وقال الكلبى : البينات المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، والإخبار بالغيب بإذن الله ، وقيل : الحجج التى يحتج بها فى كلامه ، ويجوز أن يراد ذلك كله ، وعيسى بالسريانية وهى العبرية يشوع بالشين المعجمة ، ويقال أيضاً بالمهملة ومريم علم لأمه رضى الله عنها ، وأصل هذا اللفظ بالعبرية صفة بمعنى الخادم ، سميت به وتلقيت عليه الاسمية ، وقيل المريم فى لسان العرب موجود بمعنى المرأة التى تحدث الرجال وتميل إليهم ، كالزئر بكسر الزاء بعده همزة وهو الرجل الذى يحب محادثة النساء ومجالستهن ، قال رؤية يمدح السفاح أو المنصور :

قلت لزير لم تصله مريم … قليل أهوى الصبى تندسى

وهذه فى لغة العرب ، وليست هذه الصفة فى مريم إلا أن أحبت محادثة الأنبياء والعلماء ، ووزن مريم بالمعنى العربى ، مفعل فميم زائدة والياء أصل من رامه يرميه إذا فارقه أو لازمه يستعمل بالمعنيين ، وليس وزنه فعيل بأصالة الميم وزيادة الياءَ لأن هذا غير موجود فى الأبنية ، بل الموجودة فعيل بضم الفاءِ كعليب وفعيل بكسرها كعثير .

٤٠٧ / ٧٬٦٨٠