هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

119

الجزء ٢ · صفحة ١١

﴿ بالحقِّ ﴾ : الباء بمعنى مع متعلقة بأرسلناك ، أو بمحذوف حال ، أى ثابتا مع الحق ، أو للإلصاق المجازى ، أى ملتبسا بالحق أو للإله أى مؤيداً بالحق ، والمراد بالحق ، والله أعلم ، ما ختاره الله وجعله دنياً لنبيه محمد ، A ، على العموم مما كان وحياً أو غير وحى ، وفسره ابن عباس بالقرآن ، وبعض بالإسلام ، وبعض بالصدق ، وبعض بالحكمة خلاف العبث والجور ، وبعض بالهدى وما صدق ذلك كله واحد .

﴿ بشيراً ﴾ : بالجنة لمن آمن وعمل صالحاً .

﴿ ونذيراً ﴾ : بعذاب النار لأهل المعاصى ، فإنما عليك التبشير والإنذار لا التوفيق ، فلا حرج عليك إن أصروا على المعصية ، وهذه تسلية له ، A ، إذ كان يغتم ويضيق صدره بإصرارهم .

﴿ ولا تَسْأَلُ عنْ أصْحاب الجَحِيم ﴾ : بفتح التاء وإسكان اللام عند نافع ويعقوب ، وهذا الكلام عندى مجاز مرسل مركب ، لأنه وضع للنهى عن السؤال عن أصحاب الجحيم ، واستعمل فى تعظيم عقوبة الكفار حتى كأنها لشدتها وشناعتها وكثرتها لا يقدر أحد أن يخبر عنها ، ولا أنت يا محمد ، ولا يقدر أحد ، ولا أنت ، عن سماع الإخبار بها ، وهذا كما تسأل الإنسان عن حال بلدة فيقول : أما الحبوب فرخيصة ، وأما الماء فلا تسأل عنه ، يعنى أنه كثير جدا . ويحتمل معنى آخر وهو النهى عن السؤال عن أحوال الكفار مما هم فيه من الكفر ، أو مما يصيبهم سؤال مكثرة . قال ابن هشام اللخمى : إنه أظهر وهو نظير قوله تعالى : ﴿ فَلاَ تَذْهَب نَفْسكَ عَليهِم حَسَرات ﴾ وكان A ، يتشوف إلى أحوال الكفار ، ويرغب جدا فى أن يتركوها ويؤمنوا ، حتى قال الله D له : ﴿ لَعَلَّكَ باخعٌ نَفْسَكَ عَى آثارِهم إِنْ لم يُؤمنوا بهذا الحديثِ أسَفا ﴾ والمراد جملة الكفار ، وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما ، أن النبى ، A ، قال ذات يوم : « ليست شعرى ما فعل أبواى » . فنزلت الآية . وكذا روى عن محمد بن كعب القرضى ، قال ابن هشام ، وابن جرير : هذا بعيد ولا يتصل بالآية قبلهُ . وكذا روى أنه A سأل جبريل عليه السلام عن قبرى أبويه فدله عليهما ، فذهب إليهما فدعا لهما ، وتمنى أن يعرف حالهما فى الآخرة فنزلت الآية . قال الشيخ زكريا الملقب بشيح الإسلام وهو من الشافعية : هذا الخبر ضعيف والمختار أنها إنما نزلت فى كفار أهل الكتاب . انتهى . وحفظت خيراً أنهُ لما فتح مكة جاء قبراً فجلس كهيئة من يتكلم ، فرجع يبكى فقال : « سألت ربى فى زيارة أمى فأذن لى ، وسألته فى الدعاء لها فلم يأذن لى » . هذا أصح كيف يدعو لهما وهما قد ماتا على شرط؟ على المشهور فى أمه ، وقد نزل قبل ذلك آية المنع من الاستغفار للمشركين ، قال المدابغى : روى من حديث عائشة ، رضى الله عنها ، أحيا أبويه A معاً حتى آمنا به ، ونفع الإيمان بعد الموت من خصائصه A ، والحديث بإحيائهما وإن كان ضعيفاً فالقدرة صالحة لذلك ، والحديث الضعيف يعمل به فى المناقب ، كما يعمل به فى الفضائل ، وفائدة إحيائهما ، مع أنهما ناجيان لكونهما من أهل الفترة زيادة إظهار مسرته ، وما أحسن قول الحافظ الشمس بن ناصر الدين الدمشقى فى ذلك :

٥١١ / ٧٬٦٨٠