هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

117

الجزء ٢ · صفحة ٧

﴿ بَديعُ السَّمواتِ والأرْض ﴾ : خبر لمحذوف ، أى هو بديع السموات والأرض وهو من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها ، كقولك زيد كريم الأب ، كأنه قيل هو بدعة سموانه وأرضه بضم الدال ، أى حصلت بعد العدم بلا قياس على مثال سابقاً يقال بدع الشئ ، بضم الدال ، فهو بديع ، أى كان على صفة لم يكن عليها غيره ، ويضعف أن يكون بديع بمعنى مبدع بكسر الدال فيكون من إضافة الوصف إلى مفعوله لندور فعيل بمعنى مفعل بكسر العين ، كما قيل فى قول عمرو بن معد يكرب :

أمن ريحانة الداعى السميع … يؤرقنى وأصحابى هجوع

أن السميع بمعنى مسمع ، وليس متعيناً لجواز أن يكون بمعنى السامع ، لأن المتكلم يسمع كلام نفسه من لسانه ، فالداعى وهو داع الشوق لما دعاه سمع كلام نفسه الذى خاطب به معد يكرب ، ولجواز أن يكون بمعنى مسموع ، والبيت فى أخت معد يكرب واسمها ريحانة ، أسرها دريد ابن الصمة الحشمى ، والداعى مبتدأ خبره من ريحانة ، أو فاعل للجار والمجرور المتعمدين على الاستفهام ، وخص السموات والأرض بالذكر لأنها أعظم ما تشاهد ، وفى قوله : ﴿ بديع السموات والأرض ﴾ نفى لاتخاذ الولد أيضاً ، لأن الوالد أصل للولد المنفعل بانفصال مادته عن ذلك الوالد ، فالود منفعل عن والده ، وكذا الوالد منفعل بانفصال المادة عنه والله سبحانه وتعالى مبدع للأشياء كلها ، فاعلى على الإطلاق ، منزه عن الانفعال ، فلا يكون والداً ، والإبداع اختراع الشئ لا عن شئ دفعة ، وإيجاده على غير مثال سبق ، أو تحصيله مما لم يكن منه ، وكل هذه المعانى صالحة فى الآية ، وقد فسرته بالثانى ، وعلى كل حال هذا اللفظ هنا أولى من لفظ الصنع ، لأن الصنع يكون ولو على مثال سابق ، ويكون ولو مما أعتيد التحصيل منه ، ويكون ولو تركيب للصورة على أصل ، وأولى من لفظ التكوين ، لأنهُ بمعنى الصنع ، ويكون بتغير وفى زمان غالباً ، فالإبداع أخص منهما ، وقرئ بجر بديع على أنه بدل من الهاء فى قوله : ﴿ كلٌّ له قَانِتُون ﴾ أو فى قوله : ﴿ بل لهُ ما فى السَّمواتِ والأَرْض ﴾ وقرأ المنصور بنصه على المدح ، ونفى أيضاً الولادة عن نفسه تعالى بأن إيجاد الولد يكون بالانتقال من صفة إلى صفة ، ومن حال إلى حال وبمهلة ، وفعله تعالى يستغنى عن ذلك كما قال :

﴿ وإذا قَضَى أَمراً فإِنَّما يقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون ﴾ : أى إذا أرد شيئاً فإنما يقول لهُ احصل فيحصل ، ولا يحتاج إلى علاج فى حصوله ، ولا إلى شئ ، لكن يقول له كن فيكون ، مع أنهُ ليس المراد حقيقة القول ولا حقيقة الأمر ، وامتثال الأمر بالمراد حصول ما أراد حصوله بلا مهلة كما يمتثل المأمور المطواع ما أمر به بلا توقف ، فشبه تعلق إرادة الله تعالى بحصول الشئ بتعلق أمر الآمر بالمأمور المطواع المبادر إلى الامتثال ، ومن كان بهذه الصفة من حصول كل ما أراد بمجرد إرادته لم يحتج إلى الولادة المرتبة شيئاً فشيئاً ، وباينت حاله حال الأجسام المتوالدة ، وكان غنياً عما يحبه الناس أن يحصل لهم من أولادهم ، فهذا تقرير لمعنى الإبداع ، كما أنه نفى للولادة ، وقد علمت أنه لا خطاب هناك حقيقاً ، وقيل يخلق لفظة : كن فى غير جسم أو فى جسم من الأجسام بعد حصول بعض الأحسام ، فيأمر بها ما أراد وجوده من العدم ، ولو شاء لأوجده بدون ذلك .

٥٠٧ / ٧٬٦٨٠