238
الجزء ٢ · صفحة ٣٩٤﴿ حَفِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ ﴾ : الخمس بأدائهن أول أوقاتهن بطهر وخشوع وإخلاص ومداومة والخطاب للناس كلهم ، قال ابن مسعود عن النبى A : « أمر بعبد من عباد لله أن يضرب فى قتره مائة جلدة ، فلم يزل يسأل الله تعالى ويدعوه حتى صارت واحدة ، فامتلأ قبره عليه ناراً ، فلما ارتفع عنه أفاق فقال : على ما جلدتنى؟ قال لأنك صليت صلاة بغير طهور ، ومررت على مظلوم فلم تنصره » وعنه A : « أن الصلاة ثلاثة الطهر ثلث والركوع ثلث والسجود ثلث فمن أداها بحقها قبلت منه وقبل منه سائر عمله ، ومن ردت عليه صلاته يرد عليه سائر عمله » ويروى عن النبى A : « أول ما ينظر فيه من عمل العبد الصلاة ، فإن قبلت منه نظر فيما بقى من عمله ، وإن لم تقبل منه لم ينظر فى شئ من عمله » قال أنس بن حكيم الضبى : قال لى أبو هريرة : إذا أتيت أهل معرك فأخبرهم أنى سمعت رسول الله A يقول : « أول ما يحاسب به العبدُ المسلم الصلاة المكتوبة فإن أتمها وإلا قبل انظروا هل من تطوع ، وإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك » ، وكذا عن تميم الدارى ، إلا أنه قال : « ثم الزكاة مثل ذلك تؤخذ الأعمال على حسب ذلك » ونظرت كيف أعقب الله آيات النكاح والطلاق وتوابع ذلك بالمحافظة على الصلاة ، وظهر لى بعد إفراغ وسعى أنه أعقب بذلك لعظم أمر النكاح والطلاق وتوابعهما واشتغال النفس ، فحذرنا مولانا سبحانه وتعالى أن نشتغل بشئ عن المحافظة على الصلوات الخمس ، وأكد ذلك بالأمر بها ، ولو حال الخوف فى قتال أو دون قتال فى ركوب أو مشى ، ثم رأيت القاضى ذكر ما يقرب من ذلك ، والحمد لله إذ قال : ولعل الأمر بها فى تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج لئلا يلهيهم الاشتغال بشانهم عنها وعد المحافظة بعلى لتضمنها معنى المداومة أو المراقبة ، وصيغة المفاعلة هنا لموافقة المرد ، كأنه قيل احفظوا على الصلوات أى دوموا أو للمبالغة فى الحفظ لها ، وذلك أن الفعل فى مقابلة من يفعل يكون أقوى لزيد اجتهاد فاعل حينئذ ليلا يغلب ، وأما ما قيل من أن المفاعلة على بابها بل أن يكون المعنى : احفظوا الصلوات يحفظكم الله أو أن يكون المعنى احفظوا الصلوات تمنعكم من المعاصى : ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ أو احفظوا الصلاة تحفظكم من البلايا استعينوا بالصبر والصلاة إنى معكم ، لأن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة أى بالنصر ، إذ يحفظها بتنوَّر اقلب بنور يسهل أداء الفرائض وترك المعاصى ، ولا يصح ذلك من جهة القاعدة القريبة ، ولو صح ذلك معنى حقا لأنه لم يقل الله جل وعلا : حافظوا الصلاة ولا حافظوا الله ، وظهر لى الآن إبقاء المفاعلة على بابها بأن يكون المعنى الأمر بأن يتبادروا فى محافظتها ، ويجتهد كل واحد أن يزيد على الآخر بالمحافظة أو بالسبق فيها ليرى الله أيهم أحسن عملا .