229
الجزء ٢ · صفحة ٣٥٥﴿ الطَّلاقُ مرَّتانِ ﴾ : أى التطليق الذى يخير فيه الزوج بين أن يراجع أو يترك الرجعة تطليقتان ، وأما الثالثة فليس فيه التخيير فإنه لا رجعة فيه ، ويدل لهذا قوله : ﴿ فإمْساكٌّ بمعْروفٍ أوْ تسْرِيحٌّ بإحسانٍ ﴾ : فإن هذا دل على أنه قد راجعها من الطلاق الثانى ، لأن الملطق إذا لم تراجع لا يصدق فيها أن يقال يمسكها أو يسرحها ، بل هى فى التسريح فإن تمت العدة فلا رجعة ولا تسريح يقع ، فكأنه قيل : وبعد التطليقتين إن راجعها أو تزوجها فليمسكها أو يسرحها ، ففى قوله :
﴿ فإمْساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسانٍ ﴾ ذكر الطلاق الثالث ، اللهم إلا أن يقال المعنى فإمساك من الطلاق الثانى بالرجعة فيه ، أو ترك لها على تسريحها حتى تتم العدة ، ومع هذا ففيه تلويح أيضاً بالطلاق الثالث فإنه بفهم أن الطلاق الذى يجوز فيه الإمساك بالرجعة اثنان لا الثالث ، ولو كان مفهوم عدد ، وروى أن رجلا سأل رسول الله A : أين التطليقة الثالثة؟ فقال : « أو تسريح بإحسان » وربما تقوى به من فسر التسريح بإحسان بأن يطلقها التطليقة الثالثة ، وهو مجاهد وعطاء إذا لم يكن غرضه منها إلا المضارة بإمساكها ، وقيل : معنى تسريح بإحسان ألا يراجعها حتى تتم العدة ، إذا غرضه الإضرار وبة قال السدى والضحاك فتفوته الرجعة ، ويدل لهذا قوله تعالى : ﴿ فإن طلقها ﴾ وقوله بعد ذلك التسريح .
﴿ ولا يحلُّ لكم أنْ تأخذوا ﴾ إلخ ، فإلفاء تفيد على القول الأول ، طلقت رابعة ولا خلع بعد الثالثة ، وقيل المعنى لا يراجعها مراجعة يريد تطويل العد ة وضارها ، وقيل معنى التسريح بإحسان : أن يؤدى إليها حقوقها المالية كصداق ومتعة ، ولا يذكر معايبها للناس ، كما أن الإمساك بمعروف إمساكها مع كتمان عيوبها ، وأداء النفقة وسائر حقوقها إليها من جماع وغيره ، وحسن العشرة وعدم الإضرار ، وقيل الإمساك بمعروف مراجعتها من الثانية ، وفيه إشكال لأنه قد يراجعها ويظاهرها ، فأين المعروف؟ وعن مجاهد فإمساك بمعروف بإحسان وجب لها ذلك حين ملكها ، وإن طلقها فهو أيضاً إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ما لم تنقض العدة ، والطلاق اسم مصدر بمعنى التطليق ، ومعنى الطلاق مرتان فإسماك إلخ ليس للزوج إلا ثلاثة تطليقات : يطلق ويراجع ، ويطلق به أو يطلق ويجرع ، ويطلق ويراجع ، ثم يطلق بلا مراجعة ، أو يطلق أو لا ويطلق ثانيا ويطلق ثالثة بلا رجعة ، أو يطلق أو لا ويطلق ثلاثاُ بلفظ واحد ، أو اثنين بلفظ واحد مثل أن يقول : هى طالق ثلاثا أو طالق اثنيتن فلا يجوز ذلك ، ولكن يعد عليه ثلاثاُ إن قال طالق ثلاثا ، واثنتان إن قال اثنتين ، وذلك على عهد عمر ، قيل وكان ذلك على عهد رسول الله A طلاقاً واحداً ، وهو من طلاق البدعة ، وفيه الإثم ، وقيل لا إثم فيه إنما الإثم أن قال طالق أربعا أو خمسا أو أكثر ، ولزمه الثلاث ، واستدل الشافعى على جواز الثلاث بلفظ واحد بحديث العجلانى الذى لا عن امرأته فطلقها ثلاثا بين يدى رسول الله A ولم ينكر عليه ، وقد يجاب بإمكان أن يقول : هى طالق هى طالق هى طالق بذكر الطلاق ثلاث مرات ، لا بلفظ واحد ، وزعم بعض أن طلاقها مرة بعد أخرى فى طهر واحد بلا رجعة بدعة ، قال الشافعى ، التطليق ثلاث أ واثنتان بفظ واحد مباح وليس بمسنون ، وفسر الآية بما يشمله مع الأوجه اللاتى ذكرتهن ، وقال أبو حنيفة : بدعة ، والأآية لا تشمله ، وإن معنى قوله : ﴿ مرتان ﴾ تطليقة بعد تطليقة على التفريق ، وعلى هذا فقوله : ﴿ الطلاق مرتان ﴾ غير متعلق بما قبله ، بل كلام مستأنف لبيان أن جنيس الطلاق لا يزيد على ثلاث ، وأنه على تفريق لا جمع وأن المعنى الطلاق دفعتان لا دفعة ، وأن المراد بالتثنية التكرير فيتناول ثلاثا ، كقولك : لبيك وسعديك الشامل لما لا غاية له ، ويجوز أن يراد التثنية وحقيقة الدفعتين وأما الثالثة فمن قوله .