232
الجزء ٢ · صفحة ٣٦٧﴿ وإذَا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلغْنَ أجَلَهُنَّ ﴾ : أى قطعته وتجاوزته فليس كالأول بمعنى المشارفة ، لأن الأول فيه الرجعة ، فظهر أنه بمعنى مقاربه الانقضاء والثانى فيه التزويج ، فظهر أنه بانقضاء ، وذلك على أن الخطاب فى تعضلوهن للأولياء أو للأزواج بعد انقضاء العدة أو للناس ، كلهم وأما إن جعلناه للأزكواج قبل الانقضاء ، فالبلوغ هنا أيضا بمعنى مشارفة الانقضاء كالأول ، وعلى هذا الوجه الأخير تكون لأزواج المذكورة بعد من يمكن أن يختزنه أن يكون لهن زوجا ، ومعنى عضلهن على هذا مراجعتهن بقصد مناه عمن تختاره لو لم يراجعها إلا بعضل الإنصاف .
﴿ فَلاَ تعْضلُوهُنَّ ﴾ : تمنعوهن .
﴿ أنْ يَنكِحْنَ ﴾ : يتزوجن .
﴿ أزْواجَهُنَّ ﴾ : أى الذى كانوا لهن أزواجاً وطلقوا ، فالصحيح أن الخطاب فى تعضلوهن للأولياء ، والأزواج من كانوا أزواجا وطلقوا ، وانقضت العدة ، والدليل على انقضائها النهى عن الفعل ، لأن للزوج أن يراجعها قبل الانقضاء رضى الولى أو أبى ، إلا أن يقال قد يعضلها بالحمية والغلبة بعد انقضاء العدة أيضاً ، فنهى عن ذلك . قال الحسن : حديثنى معقل بن يسار المزنى : كنت زوجت أختاً لى من رجل ، يعنى عاصم بن عدى ، فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له : زوجتك وأفرشتك وأكرمتك فطلقتها ، ثم جئت تخطبها لا والله لا نعود إليها أبداً . قال معقل ، وكان الرجل لا بأس به ، وأختى تريد الرجوع إليه ، فنزلت الآية . فقلت : الآلن أفعل يا رسول الله ، فكفرت عن يمينى وزوجتها إياه وفى رواية عن معقل بن يسار : كانت لى أخت تخطب إلى وأمنعها من الناس فأتانى ابن عمر لى يعنى عاصم بن عدى ، قدم المدينة فأنحكتها إياه واصطحبا ما شاء الله ، وكان بينهما شئ فطلقها واحدة ، فلما انقضت عدتها خطبت إلى فأتانى ليخطبها فى الخطاب ، وقلت له : خطبت فمنعتها من الناس وآثرتك بها فزوجتك ، ثم طلقتها طلاقا لك فيه رجعة ثم تركتها حتى انقضت عدتها ، ولما خطبت إلى أتيتنى نخطبها مع الخطاب ، والله لا نكحتها أبدا ففىَّ نزلت : ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن ﴾ الآية فكفرت عن يمينى وأنكحتها إياه أبدا ، فالخطاب للأزواج قطعا فى : طلقتم . وللأولياء فى : تعضلوهن . ومعنى ينكحن يتزوجن بنكاح جديد بولى وصداق ومثل ذلك ما قيل : إن اآية فى جابر بن عبد الله ، كانت له ابنة عم فطلفها زوجها تطليقة ، ولما انقضت عدتها أراد أن يرتجعها بنكاح جديد فأبى جابر وقال طلقت ابنة عمنا وتريد أن تنكحها الثانية ، وكانت المرأة تريده فنزلت الآية . وقيل الخطاب للأزواج قبل انقصاء العدة ، وعضلهم إياهن مراجعتهن لا بقصد المعروف ، بل بقصد الإضرار ، وقيل للأزواج بعد ، قيل انقضاء العدة كانوا يمنعونهن من التزوج بعد العدة عدوانا عليهن وقهرا وحمية الجاهلية ، أو ندما عنها وغيرة بأن يتوعد من يتزوجها بسوء ، أو منع ما يرجعولا منه أو بسوء كلام فيها ، أو يجحد الطلاق أو يدعوى المراجعة أو نحو ذلك ، وهذان القولان أولى من الأول لاتحاد الخطاب عليهما للأزواج ، بخلاف الأول فإن الخطاب فى تعضلوهن عليه للأولياء ، لكن مع ذلك ابتدأت بالقول الأول لم مر من سبب النزول فيه تظهر ما يخفى ، وجملة الخلق فى علمه تعالى بمثابة واحد ، فيصح توجيه أحد الحطابين الواقعين فى كلام واحد إلى بعض ، والخطاب الآخر للبعض الآخر ويضعف القول ، لأن الخطاب للأزواج قبل انقضاء العدة أنه لو كان كذلك لم يشرتط تراضى الزوج والمرأة فى قوله : ﴿ إذا تراضوا ﴾ إلخ ، لأن له رجعتها بلا رضى منها ، وعلى الأول الأزواج من تسميته الشئ باسم ما كان عليه ، وقيل المراد بالأزواج من يمكن أن يكون زوجا سواء جعلنا الخطابٌ فى تعضلوهن لمن طلقهن أو للأولياء ، فيكون تسمية للشئ باسم ما يئول إليه فيدخل يفه الزوج الأولى باعتبار أن يكون أيضاً بعد ذلك زوجا لها ، كما كان ، وقيل الخطاب فى تعضلوهن للناس كلهم واختاره الزمخشرى ، على أن المعنى لا يوجد فيما بينكم عضل لأنه إذا وجد منهم وهم راضوان كانوا فى حكم العاضلين ، وقيل الخطاب فى تعضلوهن للأولياء والأزواج ، والآية دليل لنا وللشافعية على أنه لا نكاح إلا بولى إذ ترجح بمعرفة سبب النزول ، أن الخطاب بالعضل للأولياء ، إذ لو تمكنت المرأة من تزويج نفسها أو توكيل من يزوجها لم يكن لعضل اولى معنى إن كان لا يؤثر ، ، ولما أسند إليه العضل علمنا أنه قادر على العضل يتأثر عضلا بألا تتزوج إن عضل ، وإما إسناد النكاح إليهن فى ينكحن فلأنهن سببب برضاهن ، وإذنهن ، فلا دليل فى ينكحن لأبى حنيفة ومالك على جواز تزوجهن بلا ولى ، والحديث قاض بما قلنا لا نكاح إلا بولى .