212
الجزء ٢ · صفحة ٣٠٦﴿ زُيِّن للَّذِينَ كَفَرُوا الحَياة الدُّنْيا ﴾ : أى رين لهم الشيطان لاحياة الدنيا بوسوسته لهم فى إغرائهم بها وتصويرها فى غير صورتها ، فأعرضوا عن دين الله وأهلكوا بها ، ويجوز أن يكون المعنى زينتها الله جل وعلا لهم ، بمعنى أنه خذلهم لسؤ اختيارهم ، فأحبوا وأكبوا عليها ، ويجوز أن يكون التزيين من الشطيان والعياذ بالله تعالى منه ، ولكنه نسبه الله إلى نفسه ، لأنه مهل الكفار فى تزيين الشطان لهم ، ويجوز أن يكون من الشيطان ، ونسبة الله لنفسه لأنه أمهل الشيطان فى تزيينه لهم ، ويدل لهذه الأوجه الثلاثة قراءة بعضهم ﴿ زَيَّن للذينَ كَفَرُوا الحْيَاةَ الدُّنَيا ﴾ ببناء زين للفاعل ونصب الحياة الدنيا ، والله سبحانه أيضاً خالق لتزيين الشيطان ، وخلق لميل النفس إلى الأمور البهية ، والأشياء الشهية ، والقوة الحيوانية ، وهذه الأمور التى فيها وفى غيرها مزية هى والشيطان للأكباب عليها بالعرض ، والله مزين بالذات ، لأنه الخالق لكل شئ ، والمزين الشيطان وغواة الإنس يقولون لهم : لا بعث ، فيكبون على الدنيا ، والذين كفروا كفار قريش وغيرهم ، كأبى جهل وأصابه ، كانوا ينكرون البعث ويتنعمون بالدنيا ، وقيل المنافقون عبد الله بن أبى وأصحابه ، وقيل اليهود ، وعبر بالماضى فى التزيين لفراغ منه ، وعبر بالمضارع فى الخسرة للحال والتجدد فى قوله :
﴿ ويَسْخرُونَ مِنَ الَّذين آمنُوا ﴾ : فقراء المؤمني : كبلال وعمار وصهيب وابن مسعود ، أو من المؤمنين مطلقاً ولو أغنياء ، يقولون : انظروا إلى هؤلاء الفقراء تركوا ما ينتفعون به من الدنيا طمعاً فى دار يزعمون أنها العقبى ، ولو أشركوا لانتفعوا بكل ما يحرم عليهم دينهم ، أو إلى هؤلاء المؤمنين مطلقاً كيف تركوا ذلك ، وكيف تركوا الشهوات الحاضرة لعاقبة يزعمون أنها كائنة بعد ، ولا بد ، وكيف أتعبوا أنفسهم بدين لم يلفوا عليه آباءهم ، والحاصل أنهم يستعلون عليهم بالمال ، وترك أتباع دين غير مألوف لهم ، وادعاء دار غائبة ، وقي يقولون : انظروا إلى هؤلاء الذين يقولون محمد إنه يغلب بهم ، وم للابتداء إذ السخرية متصورة بالمؤمنين إذ فعلوا ما يسخر منهم به الكفار ، فسبب السخرية ناشئ من المؤمنين ، إذ فعلوا موجبها أو بمعنى على .
﴿ والَّذين اتَّقَواْ ﴾ : هم الذين آمنوا المذكورون لك ، ذكرهم بالتوقى الحاصلة فيهم ، ليشعر بأن سبب كونهم فوقهم الذين كفروا فى الآخرة هو التقوى لا مجرد الإيمان ، فذلك ترغيب فى التقوى ، وزجر لمن يغتر بمجرد الإيمان من أصحاب الكبائر ، وإن شئت فقدر : والذين اتقوا الشرك ، وهم هؤلاء الذين آمنوا يسخر منهم الكفار ، وهم مستجمعون فى نفس الأمر للإيمان وترك المعاصى .
﴿ فَوْقَهُمْ يَوْمَ القِيامَة ﴾ : لأنهم فى عليين فوق السماء السابعة ، والكفار فى سجين أسفل الأرضين ، وهذا علو محسن فيه علو شأن ، أو لأنهم فى كرامة ، والكفار فى هوان ، وهذا علو معقول صاحبه فى نفس الأمر علو محس ، وكذا إن قلنا : هم غ البون على الكفار متطاولون عليهم ، يضحكون منهم كما ضحك الكفار منهم فى الدنيا ، وهذا قول الحسن .