260
الجزء ٢ · صفحة ٤٦٣﴿ وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِى ﴾ : وقرئ أرنى بإسكان الراء تخفيفا .
﴿ كَيْفَ تُحْيى المؤتَى ﴾ : لعله سأل ربه ذلك حين قال نمرود : ﴿ أنا أحيى وأميت ﴾ بأن قال عليه السلام : إن ربى يجعل الحياة حيث لم تكن وحي كانت فزالت ، وأنت لا تقدر إلا على أن تترك الحى حيا أو تقتله . فقال له نمرود : انت عاينت ذلك إن عاينت ذلك فأخبرنى . فأبى أن يقول نعم ، فسأل ربه ذلك ليعاين فيقول : عينت ذلك ، أو قال له نمرود : إن كان ربك يحيى ويميت على حد ما قلت لنا ، فأرنا ذلك عياناً فسأل ، ربه أن يعاين هو ونمرود وقومه ذلك ، فأجاب له ربه بأربة نم الطير يعاينون حياتهن بعد موتهن ، ولا ينافى الوجهين قوله :
﴿ قالَ أوَ لَمْ تؤمِنْ ﴾ : وقوله :
﴿ قَالَ بَلَى ﴾ : لست لم أو من .
﴿ ولِكنْ ليطْمئِنَ قَلْبى ﴾ : لأن المراد عى لاوجهين أو لم تكتف يا إبراهيم بما قد صح عند نمرود وقمه فى قلوبهم من أن الله وحده يحيى ويميت ، حتى صرت فى سؤالك كمن لم يؤمن فأجابه إبراهيم ، بأنى أريد طمأنينة القلب بزيادة اليقين ، وقوة الحجة بمعاينة كيفية الإحياء يكون كذا ويكون كذا ، فتصيرحية بعد الإيمان بمطلق البعث ، أو الخطاب له لفظا ، والمراد خطاب نمرود أخبره الله أنه قد علم نمرود أنى أحييى وأميت ، وجحد بلسانه ، وأنك قد أفحمته فقال إبراهيم : قد علمت ذلك بإعلامك ، ولكن سألتك ليزداد قلبه سكونا لعله يقر بلسانه ، وهذا وجه ضعيف ، والمشهور وفيه السلامة ، أن إبراهيم سأل نم نفسه ابتداء لا ليرى نمرود ذلك ، وأن الخطاب له لفظا ومعنى ، ليصير له علم اليقين عين اليقين بإضافة العيان إلى الوحى والإستدلال ، وليس الخبر كالعيان ، سواء كان سبب سؤاله مقال نمرود أولى ، وقد روى أن سبب سؤاله أنهُ مر على جيفة حمار ، وقيل سمكة حيث يمد البحر ويجزر إذا مد أكلت منها الحيتان ، وإذا جزر أكلت منها السباع ، وغذا ذهبت أكلت منها الطير ، وقد تجتمع الطير والسباع كغربان مع ذئب فتنجب ، فقال : يا رب قد علمت أنك لتجمعها من بطون السباع وحواصل الطير وأجواف دواب البحر ، فأرنى كيف تحبيها لأعاين ذلك ، فازداد يقينا ، والمعنى أولم تؤمن يا إبراهيم بأنى قادر على إحياء الموتى برد ما فنى بنفسه وإعادة التركيب؟ وقد علم الله أنه أعظم الناس إيمانا بذلك ، ولكن قال ذلك ليعرف السامعون غرض إبرهيم ، وقيل عن سعيد بن جبير : أو لم تؤمن بالخلة ، ولا دليل عليه فى هذا المقام ، وإنما المراد عموم الإيمان أو الإيمان بإحياء الموتى ، والواو للعطف ، والهمزة للتقرير لما بعد لم أو لإنكار النفى وهى مما بعد الواو أو داخلة على محذوف ، أى أقلت ذلك ولم تؤمن؟ أو شككت ولم تؤمن؟ وعلى الوجه الأول المعطوف من والمعطوف عليه هو قول إبراهيم : ﴿ رب أرنى كيف تحيى الموتى ﴾ ، عطف استفهام على دعاء كما يقول الإنسان : قام زيد فتقول .