220
الجزء ٢ · صفحة ٣٢٩﴿ فى الدنيا والآخرة ﴾ : أى فى أمور الدنيا والآخرة ، فتأخذوا بالأصلح الأسهل الأنفع فى العقبى ، وتجتنبوا ما يضركم فيهما ، وفى متعلق يتفكرون ، أو ويبين ، ولعل للتعليل . وقيل : المعنى لعلكم تتفكرون فى أن الدنيا دار بلاء وفناء ، وأن الآخرة دال إقبال وبقاء وجزاء ، وهو مروى عن ابن عباس رضى الله عنه ، قال الغزالى : العاقل لا يغفل عن ذكر الآخرة فى لحظة فأن نظر إلى سواد ذكر ظلمة اللحد ، وإن نظرإلى صورة مروعة تذكر منكراً وكيراً والزبانية ، وإن سمع صوتاً هائلا تذكر نفخة الصور ، وإن رأى شيئاً حسناً تذكر نعيم الجنة ، وإن سمع كلمة رد أو قبول تذكر ما ينكشف من أمره بعد الحساب من رد أو قبول ، وما أجدر أن يكون هذا هو الغالب على قلب العاقل لا يصرف عنه إلى أمر الدنيا ، فإذا نسب مدة المقام فى الدنيا إلى مدة المقام فى الآخرة ، استحقر الدنيا إن لم يكن أغفل قلبه وعيمت بصيرته .
﴿ ويَسْألُونك عَن اليَتَامَى ﴾ : قال ابن عباس وابن المسيب : لما نزلت : ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ﴾ الآية ، و ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم ﴾ الآية . اعتزلوا اليتامى وتحاموهم ، وتركوا مخالطتهم والقيام بأموالهم والاهتمام بمصالحهم ، حتى كان يوضع لليتيم طعام فيفضل منه شئ فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد ، وكان صاحب اليتيم يفرد له منزلا وطعاماً وشراباً ، فعظم ذلك على ضعفاء المسلمين ، حتى قال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله ما ملكنا منازل تسكنها الأيتام ، ولا كلنا يجد طعاماً وشراباً يفردهما لليتيم ، فنزلت الآية ، أى يسألونك عن مخالطة أموال اليتامى .
﴿ قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْر ﴾ : إصلاح مبتدأ ولهم متعلق به وهو المسبوغ وخير خبر أى إصلاح أموالهم بتناولها ووضعها فى الموضع الأصلح لها ، وبالتجر لهم فيها ، وبيع ما يخلف فساده أو أكله ، وتفويض مثله أو أجود ، ومواكلتهم باعتبار الصلاح لهم خير م مجانبتهم ففى الحديث : « اتجروا فى أموال اليتامى لا تأكله الزكاة ، ومن لهُ يتيم زكا ماله خيراً من أن يتركه بلا زكاة » لأن الزكاة تنميه وتطهره ، وقد قيل أيضاً : يتصدق عنه بالقليل من ماله نفعاً له دنيا وأخرى ، ففى الآية رفع للمشقة عمن عنده يتيم ، ونفع لليتامى ، وقرأ طاووس : ﴿ قل إصلاح إليهم ﴾ ، أى إيصال الصلاح إليهم خير .
﴿ وإنْ تُخَالِطُوهُم فإخْوانُكُم ﴾ : أى فهم إخوانكم ، ومن حق الأخر أن يخالط الأخ ويشفق له ، ويراعى له المصالح ، ففى ذلك حث على مخالطتهم فى أموالهم نظرا للأصلح لهم ، سماهم بإخوان فى الدين . وقيل : المراد بالمخالطة المصاهرة بالنكاح ، لأن المخالطة بالنكاح أقوى من المخالطة فى المطعوم والمشروب والمسكن ، فحمل لفظ المخالطة عليها أولى ، فيدخل المخالطة بالمال بالأولى . قال أبو عبيد : هذه الآية عندى أصل لما يفعله الرفقاء فى الأسفار ، فإنهم يتحارجون النفقات بينهم بالسوية ، وقد يتعاونون فى قلة المطعم وكثرته ، وليس كل من قل مطعمه تطيب نفس بالتفضل على رفيقه ، ولما كان هذا فى أموال التيامى واسعاً كان فى غيرهم أوسع ، ولولا ذلك لخفت أن يضيق فيه الأمر على الناس .