257
الجزء ٢ · صفحة ٤٤٩﴿ اللّهُ ولىُّ الَّذِينَ آمنوا ﴾ : أى محبهم ، والمحب يلى محبوبه بالنصر والعون فنصره تعالى لا يفارق الذين آمنوا ، ويجوز أن يكون المعنى متولى الذين آمنوا ، أى متكفل بمصالحهم ، والمراد بالذين آمنوا من أسلم من كفر ، وقضى اله له بالثبات ويدل له قوله :
﴿ يُخْرِجْهُم مِنَ الظُّلماتِ ﴾ : أى من الكفر بتوفيقه .
﴿ إلىَ النُّورِ ﴾ : الإيمان ، وقيل الظلمات ما يوصل إلى الكفر من الجهل وإتباع الهوى ، والوساوس والشبه ، والنور ما يوصل إلى الإيمان وقيل : الذين آمنوا كل من آمن بمحمد صلى الل عليه وسلم ، ولو لم يكفر قبل ذلك ولا ينافيه لفظ الإخراج ، على أن معنى إخراجهم من الظلمات إيقاعه إياهم بتوفيقه فى الإيمان تقدمه كفرا ، ولم يتقدمه استعمالا للخاص وهو الإخراج من الظلمات بعد كونه فيها فى العام ، وهو الإيقاع فى غير الظلمات ، بلا قيد تقدم كون فيها ، قيل : كل ما كان فى القرآن من الظلمات والنور فهو الكفر والإيمان إلا فى قوله تعالى : ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ فى سورة الأنعام ، فالليل والنهار ، أو كل ظلمة كما فى الليل ، وأرض البحر ولُجَجَهُ ، والغار وكل مكان مظلم ، وكل نور كالشمس والقمر والنجوم والمصباح ، لكن لا يزلم هذا ، لجواز أن يراد أيضاً جعل الكفر والإيمان ، وسمى الإيمان نوراً لأنه يتوصل به إلى النجاة والفوز ، كما يتوصل بالنور المحسوس إلى المحل المقصود والحاجة المقصودة ولينجى به من الوقوع فى نحو البئر ، ولاكون بحضرة المهالك ، كالحية والسبع ، والكفر بعكس ذلك ، وجملة يخرجهم خبر ثان للفظ الجلالة أو حال من الضمير المستتر فى ولى ، أو مستأنفة لتقريره الولاية فى قوله تعالى : ﴿ الله ولى الذين آمنوا ﴾ .
وَالَّذِينَ كَفُروا أولياؤهم الطَّاغُوتُ } : أخبر به على الجمع ، لأنه جنس ، أو لأنهُ يطلق على الواحد الجمع كما مر ، والمراد الكفار مطلقا معنى كون أولياؤهم الطاغوت أنهم يعدون الطاغوت ناصراً لهم ونافعاص ، هذا فى زُعمم ، والواقع غير ذلك ، أو يليهم بالوسوسة والتزيين .
﴿ يُخرجُونَهم مِنَ النُورِ إلىَ الظُّلماتِ ﴾ : فيه الإعراب السابق بأقسامه ، والنور الإيمان الذى يفطر عليه الصبى حتى يبلغ ويسعى أهله فى تفكيره ، وغير أهله أو الإيمان مطلقا لم يسبقه كفر ، أو سبقه ، والظلمات الكفر وأسبابه كالانهماك فى الشهوات ، ويجوز أن يكون النور دلائل الدين كآيات القرآن ، والظلمات الشكوك والشبهات ، ومعنى إخراجهم من الآيات ونحوها إلى الظلمات كون أولياؤهم سبباً فى الشكوك والشبهات والإعراض عن الآيات ونحوها ، وقد قال بعض : إن الآية نزلت فى قوم ارتدوا ، وقيل : فى اليهود أيقنوا بمحمد وكتابه وهما نور ، فلما بعث جحدوا ذلك وكفروا به ، وقيل . كعب بن أشرف وحُيَى بن أخطب ، وإذا فسرنا الآية بما لم يكن صابحها فى الإسلام ، فمعنى الإخراج مطلق عدم كون فى الإسلام إطلاق للمقيد على المطلق على حد مَا مر ، ولك وجه آخر وهو أن يشار بالتبعير بالإخراج من النور إلى أن الإيمان لوضوح دلائله ، كأنه قد دخله كل بالغ كافر ، ثم خرج منه وأسند الإخراج إلى الطاغوت ، لأنه سبب ، والفاعل الحقيق الله .
﴿ أولئِك أصْحابُ النَّارِ هُم فِيها خَالِدُونَ ﴾ : فمن كان يطيق على الخلود فى النار فليكفر ، أو ليبق على الكفر ولا مطيق عليه ، ولم يقل بعد هذا والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة فيها خالدون تعظيم ، لشأن المؤمنين أن يذكرهم بوعد متصل بوعيد الكفرة والله أعلم .