هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

249

الجزء ٢ · صفحة ٤٢٣

﴿ فَلمّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنُودِ ﴾ : أى انفصل بهم عن بلده . فإن فعل يستعمل لازما بمعنى انفصل ، كما يستعمل متعديا على ان أصله فصل نفسه عن بدله مثلا ، فكثل حذف مفعوله الذى هو نفسه مثلا فصار لازما لا ينوى له مفعول ، ومصدر هذا اللازم فعول ومصدر المتعدى فعل ، وقيل ضمن معنى خرج فلزم ، والباء للمصاحبة متعلق بمحذوف حال من طالوت ، والجند كل صنف من الخلق ، فالإنسان جند ، والجراد جند ، والنمل جند ، والذباب جند ، ويختص بالحيوان ، وقد يطلق على القوم المتهيئون للقتال وهو المراد هنا لما أو التابوت ، لم يشكوا فى النصر فسارعوا إلى الجهاد ، وقيل خرج بهم طالوت من بيت المقدس ، وهم سبعون ألفا ، وقال السدى وغيره : ثمانون ألفا ، وقيل مائة وعشرون ألفا ، وقال لهم طالوت : لا حاجة لى إلى كل ما أرى لا يخرج معى رجل بنى بيتاً لم يفرع منه ، ولا تأجر مشتغل بالتجر ، ولا من تزوج امرأة لم يبن لها ولا رجل عليه دين ، ولا أبغى إلا الشاب النشيط الفارغ ، فاجتمع إليه على شرطه سبعون ، وقيل ثمانون ، وقيل مائة وعشرون ، وقد كانوا أكثر من ذلك ، وكان ذلك فى وقت الحر الشديد ، فسلكوا مفازة فشكوا إلى طالوت قلة الماء بينهم وبين عدوهم ، وقالوا : إن المياه لا تحملنا ، فادع الله أن يرجى لنا نهرا فدعا فاجيب ، فقال كما قال الله عنه .

﴿ قالَ ﴾ : طالوت .

﴿ إنَّ اللَّهَ مُبْتلِيكُم بِنَهرٍ ﴾ معاملكم معاملة المختبر بسبب اقتراحكم النهار إذ لم تصبروا ، فيظهر بالابتلاء المطيع والعاصى والله علالم بهما ، وهكذا شأن من يقلق ويتعرض للقضاء ، وهو نهر عذب ين الأردن وفلسطين ، وعن ابن عباس : نهر فلسطين ، وقرأ مجاهد وابن السماك بإسكان هاء نهر فى جميع القرآن ، وكل ثلاثى حشوه جرف خلق فيه لغتان إسكنه وفتحه كشقر وصحن .

﴿ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ ﴾ : أى من مائه .

﴿ فَليسَ مِنَّى وَمنْ لَّم يَطعَمْهُ فإنَّهُ منِّى ﴾ : من ظهرت طاعته فى ترك الماء علم أنه يطيع فيما عدا ذلك ، ومن غلبته شهوته فى الماء وعصى الأمر فهو بالعصيان أشدو أحرى فى الشديد ، وإنما علم طالوت ذلك فى الوحى إن كان نبيا ، كما قيل إنه جمع له بين النبوة والملك ، وقيل ليس نبيا كما مر ، ولكن تحمل هذا الكلام معه من النبى أشموئيل ، وقيل لضمير فى ، قال ، عائد إلى النبى أشموئيل ، والمعنى : ولما فصل طالوت بالجنود قال لهم نبيهم إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى ، ومعنى ليس منى : ليس من أشياعى ، أو ليس من أهل ولايتى ، أو ليس بمتحد معى فى أمر الدين ، وقوله ﴿ فإنّه منِّى ﴾ على عكس ذلك ، ومعنى ﴿ لم يطعمه ﴾ : لم يذقه من قولك : طعمت الشئ إذا ذقته مأكولا أو مشروبا ، وليس من الطعم الذى بمعنى الأكل فى قوله تعالى :

٩٢٣ / ٧٬٦٨٠