هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

214

الجزء ٢ · صفحة ٣١١

﴿ أمْ ﴾ : بمعنى بل التى للإضراب ، وهمزة الاستفهام الإنكارى ، أى نفى أن يكون حسبانهم حقاً والإضرارب انتقال عن ذلك الإخبار المتقدم ، فأم منقطعة .

﴿ حسبتم أن تَدْخُلوا الجنَّة ﴾ : لما ذكر الله جل وعلا اختلاف الأمم على أنبيائهم بعد مجئ البينات حضاً للنبى A ولمؤمنين على الصبر على مخالفة من خالفهم من المشركين أهل الكتاب وغيرهم ، خاطبهم بقوله : ﴿ أم حسبتم ﴾ اآية ، والخطاب أبلغ من الغيبة ، ولذلك جئ بالكلام خطاباً ، مع أن المتقدم غير خطاب ، وإذا قلنا إن الذين آمنوا المذكورين هم أصحاب النبى A وحدهم ، أو مع كل من آمن من الأمم فى زمان نبيها ، ففى ﴿ حسبتم ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب .

﴿ ولمَّا يأتكُم مَّثَلُ الَّذينَ خَلَوْا ﴾ : أى مضوا وصاروا فى خلاء من الأرض .

﴿ مِنْ قَبْلِكُم ﴾ : ولما بسيطة ، وقيل مركبة ، من لم وما ، وهى تنفى ما ينتظر ثبوته بعد ، كما أن قد للتوقع تقول : قد ركب الأمير ، لمن توقع ركوبه ، وتقول : لما يركب لما يتوقعه أرضاً ، إلا أن لما فى النفى ، وقد فى الإثبات ، وكان المؤمنون يتوقعون الابتلاء ، و ﴿ مثل الذين خلوا من قبلكم ﴾ حالهم التى هى الشدة كالمثل المضروب ، فإن المثل يضرب فى الأمر الغريب والقصة العجيبة ، ونزلت الآية فى غزوة الأحزاب ، أصاب المسلمين شدة وبرد وضيق العيش يومئذ ، وقيل فى غزوة أحد ، وقيل حين ضاق حال المهاجرين فى المدينة ، إذ تركوا بمكة مالهم ، وذلك أول الهجرة ، وفى الكلام حذف مضاف ، أى ولما يأتكم شبه مثل الذين ، ويجوز تفسير مثل بالمشبه بالماثل ويقدر مضاف بعده لا قبله ، أى ولما يأتكم مماثل آتى الذين من قبلكم ، والذين من قبلكم هم المؤمنين من الأمم ، الصابرون على ما آتاهم من المحن ، كما استأنف بياناً لما أصابهم بقوله :

﴿ مَسَّتْهُم البأسَاءُ والضَّراء وزُلْزِلُوا حتَّى يَقُولَ الرَّسول والَّذين آمنُوا مَعهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ ﴾ : كانه قيل : ما مثلهم وحالهم العجيبة ، فقال : مستهم } الآية . وصبروا ، والبأس الفقر الشديد ، والضراء المرض والجوع ، قال عطاء : ﴿ وزلزلوا ﴾ حركوا تحريكاً شديداً فى قلوبهم وأحوالهم بما أصابهم من الشدائد ، وذلك تشبيه بتحريك الأشخاص المحس ، والرسول جنس الرسل المصابين هم وأمم هم بذلك ، فصبروا ، والجمهور على نصب يقول على اعتبار وقت الزلزال السابق على قول الرسول ، لأن حتى لا ينصب بعدها إلا المضارع المستقبل ، كأنه قيل ما زالوا فى زمانهم مزلزلين حتى يقول الرسول ، وقرأ نافع برفع يقول على أن حتى للابتداء شبيهة بفاء السببية ولا تخلوا من غاية ، لأن المسبب غاية للسبب ، بمعنى أنه بمرة السبب ، وذلك على حكاية الحال الماضية المنقطعة ، وتصييرها بمنزلة الحال الحاضرة ، والمضارع الذى للحال مرفوع بقد ، حتى كان الرسول والذين آمنوا معه أحياء حال نزول الآية قائلين : ﴿ متى نصر الله ﴾ ، فرفع كام يرفع الحال الحقيقى مثل مرض حتى لا يرجونه ، قال ابن هشام : إن كان النسبة إلى ما قبله خاصة فالوجه أن نحو : ﴿ وزلزلوا حتى يقول الرسول ﴾ الآية ، فإن قولهم إنما هو مستقبل بالنظر إلى الزلزال ، لا بالنظر غلى زمان قص ذلك علينا ، قرأ نافع بالرفع على الحالية المحيكة لا الحقيقية بتقدير حتى حالتهم حينئذ أن الرسول والذين آمنوا معه يقولون كذا وكذا ، و ﴿ مَتىَ نَصْرُ اللّهِ ﴾ استفهام استبطاء ، ومعناه طلب النصر واستطالة زمان الشدة ، ما ظنك فى طول مدة شج بها الرسول مع قدر شباب الرسل وشدة اصطبارهم؟ وقالق طائفة : الآية فى قصة الأحزاب بعد مضيها والرسول محمد سيدنا A ، والذين آمنوا الصحابة رأوا شدة عظيمة حين حصر الأحزاب المدينة ، ونسب ذلك لجمهور المفسرين ، وعلى أنها فى غير قصة الأحزاب ، وقيل : نزلت تسلية للصحابة المهاجرين حين أصيب أموالهم بعدهم ، وإذا هم الكفار وعن الحسن : لما نزلت الآية جعل أصحاب النبى A يقولون : ما أصابنا هذا بعد ، لما كان يوم الأحزاب نزل :

٨١١ / ٧٬٦٨٠