سورة عبس
الجزء ١ · صفحة ٦٨وترد في القرآن الكريم كثير من الصّفات التي تغلب على الإنسان في طبعه وسلوكه، فهو الكنود الهلوع وهو المستغني المستكبر، وهو القتور العجول … إلخ. وهو هنا المتسارع إلى الكفر يستحق اللّعن والطّرد. وعلى التعجيب من إفراط الإنسان في الكفر والعصيان جاء الاستفهام التّقريريّ يتضمّن الإجابة عن حقيقة أصله ونشأته، وهو لا يكاد يستشعر عناية الله به فبيّن الله أنه مخلوق، ثم وضّح مراحل خلقته وهو خليّة صغيرة ملقحة في رحم أمّه من ماء مهين يستمدّ من الخالق قيمة الحياة وأسرارها بعد أن كان شيئا لا قيمة له، فقدّره الله في أطوار خلقته، وقدّره لمراحل حياته بما زوّده به من العناصر المادية والأدبية حتى غدا بشرا سويّا.
(ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ): أي يسّر له أسباب الهداية وهو يتدرج في سلّم التّكليف فزوّده بالعقل المميّز وأرشده بالوحي المنزل، ويرى بعض المفسّرين أن قوله تعالى: (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) معناه: سهّل له طريق الخروج من بطن أمّه، غير أن العطف بـ (ثُمَّ) للتراخي يرجّج المعنى الأول، والله أعلم.
(ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ): أي حدّد لحياته أجلا ينتهي إليه فيموت كغيره من الإحياء، وجعل مثواه قبرا في الأرض إكراما لرفاته. وعملية الإقبار مما علمه الله الإنسان الأول من قصّة ابني آدم عليه السلام فهي من التّكريمات الرّبانية لهذا الإنسان.
(ثُمَّ إِذَا شَآءَ اَنشَرَهُ): أي أعاده إلى الحياة مرة أخرى للحساب والجزاء عندما تقتضي مشيئة الله ذلك، فما مقدار استعداد الإنسان لذلك؟. والإجابة الواقعية في علم الله هي قوله: (كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ).