نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة عبس

الجزء ١ · صفحة ٧٣

ويرد في سورة المعارج مثل هذا التّصوير لهول يوم القيامة وبيان الحالة النّفسية للخلائق إذ قال تعالى: (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَآءُ كَالْمُهْلِ، وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ، وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا، يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمَئِذِم بِبَنِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ، وَفَصِيلَتِهِ التِي تُؤْويهِ، وَمَن فِي الاَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ، كَلآَّ إِنَّهَا لَظَى) (8 - 15).

وإذا قارنّا بين النّصّين نلاحظ في هذا النّصّ أنّ الهرم العائليّ جاء مقلوبا. إنه بدأ بالبنين والصّاحبة ثم الأخ ثم الأبعد في فصيلة الإنسان أي قبيلته ومن بعدهم من سائر الخلق، ويلاحظ غياب ذكر الوالدين ضمن أفراد الأسرة، لأن الوسيلة هنا لطلب النّجاة في اعتقاد المجرم هو دفع الفدية، فليس من كرامة الوالدين وبرّ الولد لهما أن يفدي نفسه بوالديه، وفيما عداهما جاء التّرتيب وفق قوة العاطفة بدءا بالبنين وانتهاء بمن في الأرض جميعا يودّ المجرم لو يجمعهم جميعا في وقت واحد للفداء بينما الفرار يحدث مجزأ. ذلك هو موقف الإنسان من أقاربه، فكيف بأحوال الخلائق؟.

يقول تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ، ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ، تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ، اُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ)، فالناس في ذلك الموقف على فريقين: سعداء وأشقياء.

أ) - بدأ الله بالسّعداء انسجاما مع مفتتح السّورة من الذي جاء يسعى وهو يخشى، فهي مشرقة بنور الإيمان مسرورة مستبشرة بنعيم الجنة هي وجوه المتقين الناجين.

ب) - وجوه الأشقياء تكسوها ظلمة الآثام والمعاصي فهي كالحة مغبرة، هي وجوه الكفرة الفجرة الذين لا يؤمنون بالله ورسوله، أشار إليهم بالبعيد امتهانا واحتقارا، والوجوه يرتسم عليها ما يعتلج في النّفوس من خير أو شرّ، والله أعلم.

تمت

٦٬٢٥٢ / ٦٬٧٦٧