سورة عبس
الجزء ١ · صفحة ٧٢في معرض بيان نعم الله على الإنسان الاستدلال على قدرته في مراحل وجوده بدءا بأصله ومنشئه ثم تدرجه في مراحل حياته وتيسير أسباب الرّزق والهداية له حتى نهاية حياته ودخوله في عالم البرزخ انتظارا ليوم البعث والنّشور وهو ما جاء في هذا النّصّ مفرّعا على ما سبق إنذارا بيوم الحساب والجزاء وكيف يكون موقف المرء منه فقال جل من قائل: (فَإِذَا جَآءَتِ الصَّآخَّةُ، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنَ اَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ).
إنّ لمتاع الدّنيا نهاية مهما طال عمر الإنسان أو قصر، ومهما توسّع ذلك المتاع أو ضاق، فبعده مجيء الصّاخّة، وهي من أسماء يوم القيامة؛ لأنها تصمّ الآذان بقوتها وشدّتها. فقيل: هي نفخة الصعق، وقيل: هي صيحة البعث والنّشور، وهو أنسب بالمشهد الذي يليه، مشهد فرار الإنسان من ألصق النّاس به وأعَزّهم لديه لما يمتلكه من الرّعب ولما يحيط به من الهول، فلا يهتمّ إلاّ بنفسه كيف يهتدي بها إلى سبل النّجاة: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)، أي له من الهموم التي تحتوشه ما يجعله منشغلا عن الآخرين، وبالتّالي تغيض في نفسه عاطفة الحنوّ والعطف عن ألصق النّاس به، فيفرّ عنهم حتى لا يستنجدوا به ولا يستعينون، غير أنه يبدأ بالأبعد في قاعدة الهرم الأسريّ وهو الأخ، أي بالأقل شفقة وحنوّا لديه، ثم يرتقي في سلّم الهرم حتى ينتهي بأشدهم عطفا وحنوّا لديه وهم أولاده.
إنّما أولادنا أكبادنا … تمشي على الأرض