سورة التكوير
الجزء ١ · صفحة ٨٤توجّه الخطاب إلى المشركين الذين يؤذون رسول الله الذي يتلقى وحي السّماء فيقولون إنه لمجنون، وهو صاحبهم في عشرتهم الطّويلة يعرفونه حق المعرفة ويعترفون له بالصّدق والنّزاهة حتى إذا جاءهم بالحق من عند الله كذّبوه وذهبوا في الكيد له كل مذهب، وقد أبطل الله ادعاءهم بالنّفي المؤكّد بالباء، ثم أقسم بأنه رأى جبريل عليه السلام على صورته التي خلقه الله عليها يغطي الأفق، وذلك بعد قصته معه في غار حراء كما تذكره أخبار السّيرة، إذ ذهب إلى أهله مرعوبا وهو يقول: «زمّلوني زمّلوني». وإذ يعتقد المشركون أن له شيطانا يحدثه بمثل ذلك القول العجيب، فإنه تعالى نفى عن رسوله ذلك، وأنه لمؤتمن على الغيب في الخبر الذي يرويه عن ربّه، فقد عرفتم صدقه وأمانته.
وقوله تعالى: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) الاستفهام للتقريع والتّوبيخ، تسفيها لهم عن ضلالهم وتمثيلا لحالهم في سلوك طريق الباطل، وقد أصبحت هذه الجملة مثلا يقال لكل من أخطأ الصّواب وضلّ طريقه.
(إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ، لِمَن شَآءَ مِنكُمُ أَنْ يَّسْتَقِيمَ، وَمَا تَشَآءُونَ إِلآَّ أَنْ يَّشَآءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)، أي إنّ هذا القرآن في حقيقته النّاصعة ذكر وموعظة، أي يذكّر الخلق أجمعين بما يصلح شؤون معاشهم ومعادهم ويصلهم بمصدر وجودهم الخالق العظيم فيتجاوبون مع الكون من حولهم تسبيحا بحمد الله وتعظيما لشأنه وهو ييسّر لهم طريق الهداية ويوضّح معالمها، ثم هم بعد ذلك أحرار في الكسب والاختيار من بعد أن أقام الله الحجة عليهم بأدلته النّاطقة والصّامتة.
وبما أن تسخير الأسباب وتيسيرها للعبد وفق اختياره الحرّ تعود إلى مشيئة الله فلا يمكن أن تتعارض مشيئة الإنسان مع مشيئة الله التي يرجع إليها تقرير كل شيء، وبذلك يتحقق التصوّر الإيماني الصّحيح لدى الإنسان المكلف، كما يتضّح لنا ثقل الأمانة التي تحملها، والله الموفق، والله أعلم.
تمت