سورة المطفّفين
الجزء ١ · صفحة ١٠٥وقد كان هؤلاء الأبرار يلقون العنت من خصومهم الفجّار في حياتهم الدّنيا سخرية واستهزاء، فها هم في دار كرامتهم يشاهدون خصومهم كيف يلقون جزاءهم على أعمالهم المنكرة وهم يصلون عذاب النّار، قال تعالى: (إِنَّ الذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الذِينَ ءَامَنُوا يَضْحَكُونَ، وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ، وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَاكِهِينَ، وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلآَءِ لَضَآلُّونَ، وَمَآ أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ).
مثل هذه المشاهد الدّنيئة من معاملة الفجّار للأبرار -وإن كانت تصوّر الواقع المعيش في مكّة وقت التّنزيل- فهي مشاهد متكررة في حياة الأجيال تعكس الصراع بين الحق والباطل، وهو يبدأ بالملاحاة والخصومات الكلامية وينتهي أحيانا بالصّراع الدموي، والمشهد يصوّر المجرمين في أوج تطاولهم واعتزازهم بقوّتهم أمام أنصار الحق وأتباع الهدى والرّشاد، وهم يمثلون القلة والضّعف في منطلق الدّعوة الإسلامية. إن المجرمين كانوا يضحكون من الذين آمنوا برسول الله سخرية واستهزاء، ويؤذونهم بالغمز واللّمز كلما مرّوا بهم مواجهة في لؤم وسفاهة، ثم لا يكتفون بذلك بل يتخذونهم مادة فكاهة عندما يعودون إلى أهليهم استخفافا بأولئك المؤمنين الأطهار ينمّ عن وضاعة في الأخلاق وسفاهة في التّعامل ثم يرمونهم بما يتصفون به من ضلال، على أنهم تركوا دين آباءهم على قاعدة المثل: رمتني بدائها وانسلّت. وتلك غاية ما يتصف به من اللّوم هؤلاء الفجّار. ومن ثم يرد الله عليهم بأنهم غير مكلفين بشأن أولئك المؤمنين، وما هم بمراقبين لأعمالهم ولا هم حافظون لها ولا مقدرين لوزنها.