نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المطفّفين

الجزء ١ · صفحة ١٠٤

قال تعالى: (يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ، خِتَامُهُ مِسْكٌ)، فالرّحيق هي الخمر الصّافية المعتقة. ولضمان جودتها تكون مختومة حتى تحفظ من أيّ غش أو فساد، ولا يفك ذلك الختم إلا الأبرار، وهم متقابلون في جلستهم، فيفضّون بأنفسهم ذلك الختام المسك، ويحتمل أن يكون المعنى أن رائحة المسك يجدها الشّارب في فمه وهو يتذوق طعم الشّراب، وهم في تلك المتعة يتنافسون، واعترضت جملة: (وَفِي ذَالِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) اعترضت وصف الشّراب، إذ جاء من بعدها قوله تعالى: (وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ، عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ)، وهو اعتراض متناسب لتحفيز الهمم وإذكاء الرّغبة في نعيم الجنة الخالد، فالإشارة إليه بقوله تعالى: (وَفِي ذَالِكَ) واختيار لام الأمر لفعل التنافس هو للتحريض والحث على الإقبال لما يتحقق به رضوان الله ويضمن به نعيم الجنة، لأن أمثال أولئك المطففين الذين يأكلون أموال النّاس بالباطل، إنما يتنافسون في متاع زهيد زائل ووسيلتهم في ذلك ارتكاب الظّلم والاعتداء على حقوق النّاس، يقول الإمام أبو نصر في نونيته متزهدا في متاع الدّنيا:

ما ضرّني ما فاتني من نعيمها … إذا نعمت نفسي غدا وعفى عني

وإتماما لوصف خمرة الجنة قال تعالى: (وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ، عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ)، أي إن تلك الخمر تمزج بماء أقدس عين في الجنة تسمى بـ (تَسْنِيمٍ)، ومن تمام قدسيتها وشرفها أن المقرّبين من عباد الله يشربون منها وهم أعلى درجة من الأبرار، ومزج الخمر المعتقة بالماء هو الفنّ المألوف في مجالس الشّرب يقول طرفة بن العبد:

ولولا ثلاث هنّ من لذة الفتى … وحقّك لم أحفل متى ما قام عُودّي

فمنهنّ سبقي العاذلات بشربة … كُمَيت متى ما تُعَلُّ بالماء تُزبِد

٦٬٢٨٣ / ٦٬٧٦٧