سورة الانشقاق
الجزء ١ · صفحة ١٠٩قال تعالى: (إِذَا السَّمَآءُ انشَقَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ، وَإِذَا الاَرْضُ مُدَّتْ، وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ، يَآ أَيُّهَا الاِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ اِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ): الافتتاحية هنا شبيهة في تركيبها البياني للافتتاحية في سورتي التّكوير والانفطار، فيقال في بيانها ما قيل في سابقتها، غير أن الجمل الشّرطية اختلفت في موضوعها، فاقتصرت على الحدث الكوني الذي يطال السّماء والأرض عند قيام السّاعة بصفة مجملة، فانشقاق السّماء وتصدّعها يقترن هنا بالاستسلام والخضوع لأمر الله، وأنها محقوقة بتلك الطّاعة للخالق فهو رافعها بغير عمد وحافظها وممسكها أن تقع على الأرض إلا بإذنه. وأما الحدث المهول الذي يحدث في الأرض فهي المدّ في رقعتها وتسوية أديمها بزوال الجبال والآكام من على سطحها، وبإخراج ما في بطنها من رفات الأموات ومن المعادن وبما عبّر الله عنه بالأثقال في سورة الزلزلة. والله وحده أعلم بالكيفية التي يتم بها ذلك الحدث المهول، والأرض هي الأخرى خاضعة لأمر ربّها مستسلمة لقضائه وهي في ذلك على حقّ معترفة به لربها وهو القائل: (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالاَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتُم بِيَمِينِهِ) (الزّمر:67).
وجواب الشّرط محذوف تذهب النّفس في تقديره كلّ مذهب لإفادة التّهويل والتّضخيم، أي إذا حدثت تلك الأهوال، عرف الإنسان ما قدّمه في حياته من خير أو شرّ، وقيل: إن الجواب هو قوله: (فَأَمَّا مَنُ اوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ)، وقبل بيان ذلك التّفصيل في مقاضاة الإنسان في أعماله يجيء النّداء الرّباني له وهو يلفّه الإطار الزّماني والمكانيّ مستسلما لأمر ربّه: (يَآ أَيُّهَا الاِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ اِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ).