سورة الانشقاق
الجزء ١ · صفحة ١١٤ومن ألطافه تعالى أن يجعل القمر نورا في ذلك الظّلام الحالك، وهو يتدرج في منازله فتنداح دائرة نوره رويدا حتى تكتمل بدرا في اللّيلة الرّابعة عشرة، وذلك هو معنى الاتساق، فبين هذه الظّواهر الكونية المقسمات بها تكامل وانسجام وكلها توحي بالجمال والجلال، وتفيض على النّفوس بالخشوع والتّدبّر الواعي لعظمة الخالق وقدرته. ويأتي المقسم عليه مختصرا في هذه الجملة المؤكدة: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ)، والتّعبير بالركوب قد استعمله العرب في خوض المخاطر وشدة الأحوال كقول الشّاعر:
إذا لم يكن غير الأسنّة مركبا … فلا يسع المضطرّ إلا ركوبها
ولذلك جاء في التّفسير السلفي لهذه الآية: أي لتلاقنّ يا معشر الخلائق أهوالا شديدة في الآخرة، أي هي طبقات في الشّدّة تتعرضون لها في مراحل اليوم الآخر، بدءا بسكرة الموت حتى دخول الجنة أو النّار.
قلت: إنّ هذا الجواب يعتبر من عجائب الإعجاز في القرآن، لأننا نستطيع أن نسقطه على كثير من الحالات التي تصاحب النّاس في حياتهم وهم يتقلبون في السّراء والضّراء، سواء في حياة الأفراد أو الجماعات، فتعاقب الأجيال وتوالي الحضارات هو من هذا التّراكم الطّبيعيّ بل حتى تزاحم رفات الأموات في قبورهم على مرّ الأزمان والدّهور هو من هذا القبيل كما صوّر ذلك أبو العلاء المعريّ في قوله:
خفف الوطء ما أظن أد … يم الأرض إلا من هذه الأجساد
ربّ لحد قد صار لحدا مرارا … ضاحك من تزاحم الأضداد
ودفين على بقايا دفين … في طويل الأزمان والآباد
وفي مجال الإعجاز العلميّ للآية نستطيع أن نسقط الرّكوب طبقا عن طبق على ما توصّل إليه العلماء في تصميمهم لطبقات الصواريخ الحاملة للسّفن ولرواد الفضاء، إذ يصمّمون الصّاروخ الدّافع إلى الفضاء للتخلص من جاذبية الأرض. يصممونه إلى طبقات تشتعل تباعا حتى تتخلّص من جاذبية الأرض.