سورة البُروج
الجزء ١ · صفحة ١٢١ولكننا نجد في الأوصاف التّالية ما يرجح أن المراد بأصحاب الأخدود هم أولئك الطّغاة المتجبّرون الذين أمروا بشق الأخدود وإضرام النّار فيه لتهديد المؤمنين بإحراقهم إن لم يرجعوا عن دينهم، وقد صوّر الله شدة قلوبهم وإمعانهم في الإذاية والمكر فذكر ثلاثة أمور:
أ) - أنهم أمروا بتوفير الوقود لتلك النّار إمعانا في التّخويف والتّرهيب.
ب) - اتخذوا لأنفسهم مقاعد حول النّار ليتلذذوا بمنظر الإحراق.
جـ) - كانوا يشهدون ذلك الإجرام الفظيع تشفيّا بأولئك المؤمنين الذين ثبتوا على إيمانهم فضحوا بأرواحهم في سبيله.
كما بين الله سبب ما أصابهم فقال: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمُ إِلآَّ أَنْ يُّومِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، الذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، أي إن أولئك الطّغاة لم يعيبوا ولم ينكروا على المؤمنين ذنبا اقترفوه في حقهم تحديّا لسلطتهم إلا أنهم آمنوا بربّهم إيمانا صادقا واعتقدوا فيه من صفات القدرة والكمال ما جعلهم يحمدونه في كل حال، لأنّه الملك الحقيقي لكل ما في السّماوات وما في الأرض وهو العليم بكل ما يصدر عن خلقه، وبالتّالي فهو مجازيهم على ما يفعلون لا تخفى عنه خافية.
وفي ذكر تلك الصّفات من أسماء الله الحسنى وعد ووعيد تفصله الآية التّالية بقوله تعالى: (إِنَّ الذِينَ فَتَنُوا الْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ، إِنَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ ذَالِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ).