سورة الطّارق
الجزء ١ · صفحة ١٢٩د) - البيان والتّفسير:
قال تعالى: (وَالسَّمَآءِ وَالطَّارِقِ، وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ، إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَا عَلَيْهَا حَافِظٌ): يقسم الله تعالى بالسّماء والنّجم الطّارق وهو مشهد كونيّ يدعو للتّأمّل الإيمانيّ والتّدبّر الواعي لقدرة الله في بديع صنعه، والسّماء تطلق على كلّ ما ارتفع فوق رؤوسنا وهي بالنّسبة لسكان الأرض كالسّقف المحفوظ يتأملون جمالها نهارا كالقبّة الزّرقاء، وفي اللّيل بزينة كواكبها، وقد وصف الله النّجم بالطّارق، وهو اسم فاعل من فعل طرق يطرق طرقا وطروقا -أي جاء ليلا- وقد بيّن هذا المعنى بقوله: (النَّجْمُ الثَّاقِبُ)، وبما أن "أل" للجنس، فهو يشمل كل النّجوم التي تظهر باللّيل والتي تتعقب بنورها حجب الظّلام، لأن الثّقب هو إحداث خرق نافذ في الشّيء حتى غاية وجهه الآخر. قال تعالى: (اِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ) (الصّافات:10). وهذا القسم بالسّماء وبنجومها الثّواقب هو قسم بآية كونية عظيمة ولذلك ثنى الله بالجملة الاستفهامية الدّالة على التّعجيب والتّعظيم: (وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ)؛ لأن المقسم به أي النّجوم لا يدرك حقيقتها ولا يضبط مسيرتها وحركتها وتأثيراتها إلا الله خالقها.
والمقسم عليه، هو قوله تعالى: (إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَا عَلَيْهَا حَافِظٌ)، يؤكّد الله بأنواع من المؤكدات، وأعلاها القسم بأنه ما من نفس إنسانية خلقها الله إلا وأوكل عليها حافظا من ملائكته يراقبها ويحصي أعمالها ويحفظها. والتّعبير بالنّفس في هذا المقام له دلالته ومعناه؛ لأنها مستودع الأسرار والأفكار، ومصدر النّوايا التي توزن بها الأعمال ويناط بها القضاء والجزاء، فليس الإنسان هملا طليقا لا رقيب عليه ولا حسيب، بل هو الإحصاء الدّقيق والرّقابة الصّارمة على كل أفعاله وتصرفاته.