سورة الطّارق
الجزء ١ · صفحة ١٣٠والسّؤال المطروح هو: ما هي المناسبة بين المقسم به والمقسم عليه؟. فبشيء من التّأمّل ندرك وجه الشّبه بينهما، فإحاطة السّماء بالأرض كإحاطة علم الله بكوامن النّفوس ووساوسها: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الاِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) (ق:16). (قُلِ اِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمُ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ) (آل عمران:29). ويمثل الحفظة الكاتبون النّجوم الثّواقب في خرق شغاف النّفوس لمراقبتها في خلواتها.
وللتدليل على قدرة الله أمر الإنسان أن يتدبّر في أصل خلقته فقال: (فَلْيَنظُرِ الاِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنم بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَآئِبِ، إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ، يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ، فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ):
الفاء للتفريع على مضمون قوله تعالى: (إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَا عَلَيْهَا حَافِظٌ) إثبات إمكانية البعث، إذ أمر الله هذا الإنسان أن ينظر نظرة تأمّل إلى أصل خلقته ممّ كانت؟ إنه خلق من ماء دافق، أي ينصبّ مقذوفا بشدة وهو منيّ الرّجل الذي تعدّد التّعبير عنه في القرءان بالمني، وبالماء المهين وبالنّطفة .... إلخ. ولم يكن معروفا أن مصدره الصّلب والتّرائب -أي عظام الظّهر وأعلى الصّدر- إلاّ بعدما أثبت ذلك العلم الحديث سيما علم الأجنة، وكلّ ما عرفه الأقدمون أنّه المني من إفراز الخصيتين في الرجل وماء المرأة من إفراز المبيض في عنق رحمها، فمن ذلك التّلاقح بين الحيوان المنويّ وبويضة المرأة ينشأ هذا الخلق العجيب في أطواره جنينا في بطن أمه حتى يخرج بشرا سويا عاقلا معقدا في التركيب العضوي والنّفسي على غير مثال سابق ويتمّ ذلك بقدرة الله وبديع صنعه.