سورة الطّارق
الجزء ١ · صفحة ١٣٢ووصف الأرض بأنها ذات الصّدع لما تنشق عنه من النبات والأشجار، ولما يتفجر من براكين وينابيع ومعادن … إلخ. ومن هذا التّرابط والتّكامل في عملية الرّجع والصّدع بين الأرض والسّماء تنبثق الحياة للكائنات بصفة عامّة كما انبثقت من الحيوان المنويّ وبويضة المرأة، إنها صنعة الخالق وتدبيره الحكيم وقدرته العظيمة التي لا يمكن أن ينكرها جاحد، وهو مدين في حياته لهذين المشهدين العظيمين، يقسم الله بهما بأن هذا القرآن الذي يقرّر الرّجعة إلى الله للحساب والجزاء، هو القول الفصل في قراراته وإرشاداته يفصل بين الحق والباطل وقد بلغ الذروة في إعجازه وبيانه بما يثبت أنه كلام ربّ العالمين وأنه ليس قولا هزليا لمجرّد الإيناس واللّهو، وبالتّالي فهو الحجّة القاطعة لصدق رسول الله فجدير بمن يستمع إليه أن يتعظ ويتبع هديه، وهذا هو المقسم عليه.
وما أروع الإيحاءات البلاغية في هذا النّصّ باختيار كلمتي الرّجع والصّدع، بعد قوله تعالى: (إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ)، وهل الحياة الأخرى إلا رجوع إلى الأصل من أنه تعالى خلقنا للبقاء لا للفناء؟، وهل بعث أجسادنا من الأجداث إلا صدع للأرض في صورة أخرى من صور الحياة؟، وقد جاء التّعبير القرآني لكلتا الحياتين الأولى والأخرى بالشّق فقال تعالى:
- (إِنَّا صَبَبْنَا الْمَآءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الاَرْضَ شَقًّا) (عبس:25 - 26).
- (يَوْمَ تَشَّقَّقُ الاَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَالِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ) (ق:44).
وفي ما أخرجه التّرمذي عن علي بن أبي طالب يقول الرّسول في وصفه للقرآن كتاب الله: «فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله».(1)
(1) - رواه الترمذي من حديث علي، كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل القرآن، رقم 2906.