سورة الأعلى
الجزء ١ · صفحة ١٣٦قال تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الاَعْلَى، الذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالذِي قَدَّرَ فَهَدَى، وَالذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى، فَجَعَلَهُ غُثَآءً اَحْوَى، سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى)، روي في سبب النّزول: أنّ النّبي كان إذا نزل عليه جبريل عليه السلام لم يفرغ جبريل من آخر الآية حتى يبتدئ النبي بأوّلها مخافة أن ينساها، فنزلت: (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى) بعد ذلك شيئا، فقد كفينكه.(1)
فقال ابن عبّاس: "فلم ينس بعد نزول هذه الآية حتى مات". وورد في فضل هذه السّورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحبّها، وفي صحيح مسلم: أنه كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الاَعْلَى): و (هَلَ اَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) (الغاشية:1)(2). ذلك لأنها تحمل له بشريات عظيمة، وتعظم ربّه بالتّسبيح والتّحميد، يأمر الله نبيّه في مفتتحها بتنزيهه عما لا يليق بجلاله وعظمته، والتّسبيح هو التّمجيد والتّنزيه لله ولأسمائه الحسنى مع استحضار موجبات عظمته في القلب حتى يقشعرّ منه الجلد خشية وإجلالا. وكان الرّسول يستجيب لهذا الأمر الإلهي فيقول بعد قراءاته لهذه الآية: سبحان ربيّ الأعلى، وقال لصحابته: «اجعلوها في سجودكم»، كما قال عندما نزلت: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ): «اجعلوها في ركوعكم».(3)
وقد وصف الله ذاته العليّة بأوصاف العظمة والجلال بما هو أهل بأن يعبد ويشكر، وأن يطاع ويذكر، فهو الرّبّ الأعلى أي المربّي الرّاعي لشؤون خلقه، واللّطيف الحاني في معاملتهم، وهو الأعلى علوّ قداسة وشرف وشأن ذو الكمال المطلق اللامتناهي ومن دلائل وجوده وقدرته مما هو في مجال إدراكنا أنه:
(1) - رواه الطبراني في المعجم الكبير، رقم 12649.
(2) - رواه مسلم من حديث النعمان، كتاب الجمعة، باب ما يقرأ في صلاة الجمعة، رقم 878.
(3) - رواه أحمد في المسند من حديث عقبة بن عامر الجهني، رقم 17414.