سُورة المسَد
الجزء ١ · صفحة ٢٩٨فإذا كان كثير من المفسّرين ذهبوا في الإجابة على سؤال: هل كان للنبي ذنوب حتى يستغفر منها؟، فأجابوا بأن النّبي معصوم من الوقوع في السّيئات المتعارف عليها، ولكن هناك ملابسات نفسية كثيرة دقيقة تعدّ على المقربين من خلق الله ذنوبا بالنّسبة لمن دونهم من باب قولهم: حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين.
وبما أنّ كثيرا من الصّحابة قد فهموا من هذه الآية اقتراب أجل رسول الله كما بيّنته كثير من الرّوايات، فإن الإمام ابن عاشور قد بيّن مسارب الفهم لذلك المعنى من هذه الآية فقال ما ملخّصه: "كان تعليق الأمر بالتّسبيح وبالاستغفار على حصول النّصر والفتح إيماء إلى تسبيح واستغفار يحصل بهما التهيؤ للقاء الله، وأن حياته الدّنيوية أوشكت على الانتهاء، وانتهاء أعمال الطّاعات والقربات التي تزيد النّبي صلى الله عليه وسلم في رفع درجاته عند ربّه، فلم يبق إلا أن يسأل ربّه التّجاوز عما يعرض له من اشتغال ببعض الحظوظ الضّرورية للحياة، أو من اشتغال بمهمّ من أحوال الأمّة يفوته بسبب آخر هو أهم منه".(1)
(إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا): تعليل لكلّ ما سبق، مؤكّد بعدّة مؤكدات، مع تنوين التّعظيم في: (تَوَّابًا)، يدل على واسع رحمته تعالى بالتائبين، ومن دلائل التّوبة المقبولة عند الله كثرة التّسبيح والحمد لله؛ لأن ذلك مطردة للشيطان حتى لا يكون العبد من الغافلين؛ لأن الاستغفار المخلص لا بد فيه من التّوبة النّصوح، والله أعلم.
سُورة المسَد مكيّة، وآياتها 05
- بين يدي السّورة الكريمة:
سمّيت في بعض المصاحف وبعض كتب التّفسير: "سورة المسد"، لورود هذا اللّفظ في ختامها، بينما سمّيت في مصاحف أخرى "سورة تبت"، وقد سمّاها بعض المفسّرين "سورة أبي لهب"، وهي مكيّة اتفاقا، وآياتها خمس.
(1) - التّحرير والتنوير: 30/ 594.