سورة الفجر
الجزء ١ · صفحة ١٦٢ولكن لا حيرة مع الله في ما يقدّره ويدبّره في شؤون عباده فهو أعلم بمن خلق فيعطي لكل مخلوق ما يناسبه وإن غابت حكمة ذلك عن النّاس إلى درجة الافتيات على الله مما أوقع الكثير في الضّلال والهلاك كما أشار إلى ذلك الشّاعر. والتّعبير بالابتلاء في كل من التّوسعة والتّضييق وفي المنع والعطاء يجلي ذلك الالتباس إذ يبيّن المقصد في الحالتين، والإيمان الرّاسخ بقضاء الله وقدره هو الذي يوضّح للمؤمن حقيقة القيم في ميزان الله فيصرف ما وراء ذلك الابتلاء من الجزاء، وأن الكرامة عند الله هي للمتقي الطائع: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمُ) (الحجرات:13). والخزي والإهانة عنده هي للعاصي الفاسق: (إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ) (النّحل:27).
وبعد بيان ذلك الخطأ في الحالتين جاء هذا الرّدع بأسلوب الخطاب فقال: (كَلاَّ بَل لاَ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلاَ تَحُضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وَتَاكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا):
(كَلاَّ): للردع والزّجر، أي ليس الأمر كما زعم الإنسان في الحالتين السّابقتين، سيما والمخاطبون من أهل مكة كانوا مثالا لذلك الجشع والشّره في حبّ المال وتأثله بكل الوسائل، وكانوا قساة القلوب في معاملة اليتامى والمستضعفين، وإن كان الخطاب لعموم البشر، فإنه تعالى بذلك الرّدع الشّديد يضع النّاس أمام مسؤوليتهم الاجتماعية في كل زمان ومكان إذ بيّن الله قبح تصرفاتهم وفساد معاملاتهم إزاء اليتامى إذ لا يكرمونهم ولا يحسنون إليهم ولا يحرّض بعضهم بعضا على إطعام المسكين الذي لا يسأل النّاس حياء وتعففا.