هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

2

الجزء ٤ · صفحة ٤٥٣

﴿ هُو الَّذِى خَلقكُم مِن طِينٍ ﴾ بخلق أبيكم آدم منه ، وعن ما ظهر لى بلفظه ومعناه ، والله الذى لا إله إلا هو ، ثم رأيت السيوطى ذكره ولم يتقدم لى فيه مطالعة ، ولأن المأكول نبت من الطين ، وما لم ينبت منه كاللحم غير الحوت فغذاؤه يكون مما نبت ، واللبن أيضا مما غذاؤه مما ينبت من الطين ، والنطفة تتولد من الغذاء ، أو يقدر مضاف أى خلق أباكم من طين .

﴿ ثُمَّ قَضَى ﴾ : كت ﴿ أجلاً ﴾ أجل الموت ، بأن أمر ملك الأرحام عند وقوع النطفة التى يتولد بها الإنسان أن يكتب أجله كما كتبهُ الله قبل ذلك ، وسبق علمه الأزلى به لا إله إلا الله .

﴿ وأجل مُسمًّى ﴾ محدود معين عنده تعالى ﴿ عنده ﴾ وهو المدة بين موته وبعثه ، كذا ظهر لى ، ثم رأيته كذلك للحسن وقتادة والضحاك وابن عباس ، وروى عنه أنه قال : لكل أحد أجلان أجل إلى الموت ، وأجل من الموت إلى البعث ، فإن كان الرجل يرى تقياً وصولا بالرحمن زيد لهُ من أجل البعث فى أجل العمر ، وإن كان فاجراً قاطعاً للرحم نقص من أجل العمر وزيد فى أحد البعث ، بمعنى قضى لهُ فى الأزل بأن يطول عمره أو يقصر كذا ، وقيل : الأجل الأول نفس الوقت الذى يموت فيه ، والثانى نفس وقت قيام الساعة ، فإن الأجل يطلق على الجملة ، ويطلق على الجزء الأخير ، ويطلق على الجزء الأول .

وقيل : الأول بمن مضى ، والثانى لمن حضر فى الوجود ، ولمن يأتى ، وخص الثانى بكونه مسمى عنده ، لأن من مضى قد علم أجله بخلاف غيره فإنه لا يدرى إلا الله قدر حياته حتى يموت ، ولا مدخل لغيره فيه بعلم ، وقال ابن عباس وابن عطاء : الأول للنوم ، والثانى للموت ، وخص بمسمى لذلك ، وبقى لى الكلام على ثم ، والخطاب فى خلقكم فأقول والله أعلم : الخطاب لمن فى زمان رسول الله A حين نزلت الآية ، فثم للترتيب فى الإسناد على أصلها ، ويقاس من مضى ومن يأتى بهم وهو ظاهر على ما فسرت به الأجلين .

وأما على باقى الأقوال فلعلها للترتيب الذكرى ، وأجل مبتدأ ، ومسمى نعته ، وعند خبر ، وقدم المبتدأ لأنه المقصود بيانه لتعظيمه ، وكذلك نكر ووصف بأنه مسمى لا يقبل النقص والزيادة ، ولما لم يكن الأجل كذلك لم يستأنف به ، بل جعل مفعولا لقضى ، وقيل : الأجلان واحد ، ولو كانا نكرتين معاً ، وذلك تعظيم ، والأصل أن يكون كل منهما غير الآخر فتنكيرهما ، وكذا لو نكر الثانى وعرف الأول .

﴿ ثمَّ أنتم تَمتَرُون ﴾ تشكون فى البعث ، وثم لاستبعاد الشك فى البعث بعد أن صح أن الله جل جلاله خالقهم وخالق أصولهم ومحييهم إلى آجالهم ، فالبعث وألخلق الأول سواء شرعاً وعقلا صحيحا ، ولبادئ الرأى يكون البعث أسهل من الخلق الأول ، فخلْقه السموات والأرض ، وجعله الظلمات والنور ، دليل للتوحيد ، ولذلك رتب عليه التوبيخ لهم ، إذ لم يوحدوا بقوله : ﴿ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ وخَلْقه الناس من طين دليل بعثهم .

١٬٩٥٣ / ٧٬٦٨٠