هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

35

الجزء ٤ · صفحة ٤٩٨

﴿ وإنْ كانَ كَبُر عَليْك إعْراضُهم فإن اسْتطعتَ أن تبتَغى نَفقاً فى الأرضِ أوْ سُلَّما فى السَّماءِ فتأتِيهم بآيةٍ ﴾ أن الثانية وشرطها وجوابها المحذوف جواب الأولى ، أى وإن كان شق عليك إعراضهم عنك وعن الإيمان بما جئت به ، فإن استطعت أن تطلب سَرَباً فى الأرض وتحصله فتخرج لهم من جوفها آية ، أو مصعدا فى جهة السماء فتنزل لهم آية منها فافعل ، لفظ الآية مع ما حذف منها أمره A بفعل ذلك إن استطاع ، والمراد بيان شدة حرصه على إسلام قومه ، حتى إنهُ لو قدر أن يأتيهم بآية من تحت الأرض ، أو من فوق السماء ، لأتاهم بها رجاء إيمانهم .

وقال الفخر : المقصود من هذا الكلام أن يقطع الرسول E طعمه عن إيمانهم ، وأن لا يتأذى بسبب إعراضهم عن الإيمان وإقبالهم على الكفر ، وهذا عندى أولى ، على أن المعنى لا يؤمنون ، ولو فعلت ذلك كقوله تعالى : ﴿ قل كونوا حجارةً أو حديداً ﴾ الآية ، واختار بعضهم الأول ، وفى الأرض نعت نفقاً ، وفى السماء نعت سلماً ، أو يتعلقان بيبتغى قبل ، أو حالان من المستتر فى تبتغى ، وليس كذلك ، وفى على أصلها ، ويجوز أن تكون الثانية بمعنى إلى .

﴿ ولوْ شَاء اللهُ ﴾ أن يجمعهم على الهدى ، أو ولو شاء الله أن يؤمنوا كلهم . ﴿ لَجَمَعهُم عَلى الهدَى ﴾ ولكن لم تتعلق مشيئته بذلك ، بل منهم كافر ومنهم مؤمن ، وشقى وسعيد ، وشكور وكفور ، ﴿ لأملأنَّ جهنم من الجنة والناس أجمعين ﴾ فلا تتهالك يا محمد على إيمانهم ، لعلك باخع نفسك ، فإن الله جل وعلا أراد إيمان المؤمن ، وكفر الكافر ، ولا تتبدل إرادته ، وأحبَّ الطاعة وأمر بها ، وأبغض المعصية ونهى عنها ، والمعتزلة لما قالوا لا يريد الكفر قالوا : المعنى لو شاء الله أن يلجئهم إلى الإيمان إلجاء لأتاهم بآية تلجئهم ، ولكن لا حكمة فى ذلك ، لأن إيمان الإلجاء لا ثواب له ولا مدح .

﴿ فلا تكونَنَّ مِنَ الجاهِلينَ ﴾ بالحرص على ما لا يكون ، والتحزن على أمر أراد الله إمضاءه ، وهو كفر فمالك إلا التزام الصبر ، واحتمال المشقة ، فإن الجزع فى موطن الصبر من عادة الجاهلين ، قال A : « إذا أصاب أحدكم هم أو حزن فليقل : الله ربى لا أشرك به شيئاً سبع مرات » أو المعنى لا تكون ممن جهل أنهم لو شاء الله لجمعهم على الهدى ، وقال المهدوى : الخطاب فى المعنى لأمة سيدنا محمد A ، وضعف لأنهُ خلاف الظاهر ، والتأويل خلاف الظاهر ، ولكن مثله وارد ، كقوله تعالى : ﴿ إما يبلغنَّ عندك الكبر ﴾ ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ وقيل المعنى لا تجزع على إعراضهم عنك فتقارب حال الجاهلين الذين لا صبر لهم .

١٬٩٩٨ / ٧٬٦٨٠