هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

23

الجزء ٤ · صفحة ٤٨١

﴿ ثمَّ لم تَكُن فِتْنتُهم إلا أنْ قالُوا واللهِ ربِّنا ما كنَّا مُشْركينَ ﴾ الفتنة فتنة الدين ، وهو صرفهم عن الدين الحق ، كما فسر ابن عباس الفتنة بالشرك على حذف مضاف ، أى عاقبة فتنتهم ، أى لم تكن عاقبة كفرهم إلا قولهم : ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ حلفوا كاذبين مع علمهم أنهُ لا ينفعهم ذلك لشدة دهشتهم ، كما قالوا : ﴿ ربنا أخرجنا ﴾ مع إيقانهم بالخلود ، إذ أحبوا الأوثان وعبدوها ، وصرفهم ذلك عن الإيمان كمن أحب إنساناً ، فوقع فى محنة فلم ينفعه ذلك الإنسان ، فقلت له : ما كان صحبتك لفلان إلا أن فر منك ، أو الفتنة التخليص ، يقال : فتنت الذهب أى أخصلته من غيره ، أى ثم لم يكن تخليصهم أنفسهم من عذاب الله إلا قولهم : ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ وليس بمخلص لهم ، فحينئذ يصح تفسير الفتنة بالمعذرة التى يتوفون .

كما قال قتادة الفتنة المعذرة ، وهو رواية عن ابن عباس ، وكذلك قال مجاهد التخلص بها ، أو الفتنة الجواب سماه فتنة لأنه كذب ، والكذب فتنة فى الدين أو سماه فتنة لأنهم قصدوا به التخلص كفتنت الذهب أى خلصته ، كما قال الضحاك الفتنة كلامهم ، أى كلام الكاذب ، وإنما قال لمن تكن بتاء التأنيث ، مع أن فتنتهم خبر للكون لا اسم له ، والاسم هو قوله : ﴿ أن قالوا ﴾ لأنه يجوز تأنيث المبتدأ إذا كان خبره مؤنثا ، وإن قالوا مبتدأ فى الأصل ، وفتنتهم خبره فى الأصل ، وذلك قراءة نافع وأبى عمرو وأبى بكر ، وقراءة ابن كثير وابن عامر وحفص لم تكن بالتاء وفتنتهم بالرفع على أنه الاسم ، وإن قالوا خبر ، وقرأ الباقون بالباء التحتية ونصب فتنتهم على الخبرية ، وإن قالوا : الاسم وفى قراءة نافع اعتبار كون المصدر ضمير الصريح المنسبك من الفعل أشد تعريفاً من الصريح المضاف ، وكان لمنزلة العلم ، فكان أولى بأن يكون مبتدأه وقرأ لأكون والله ربنا بالنصب على النداء ، أى يا ربنا أو المدح ، أى أعنى ربنا ، ووجه الجر فى قراءة الجمهور البدلية ، وهى أولى من عطف البيان ، لأنهم يقولون ذلك الله ، والله أعلم أنه المراد بقولهم : والله ، وليسوا يقصدون بالكلام بعضهم بعضاً ومن النعت ، لأن لفظ رب تغلبت عليه الاسمية .

١٬٩٨١ / ٧٬٦٨٠