44
الجزء ٥ · صفحة ٩﴿ فلمَّا نسُوا ما ذُكِّرُوا بهِ ﴾ أى تركوا ما وعظوا به ، أو تركوا العمل بما أمرتم الرسل بالعمل به كذا قيل ، والمناسب لما قبله أن يكون ما ذكروا به البأساء والضراء ، والنسيان قيل : حقيقة فى الترك ولو عمداً ، وفى الذهاب عن الحافظة ، وقيل : حقيقة فيه مجاز فى الترك عمداً بأن شبه الترك عمداً بالترك نسياناً مبالغة ، لأن الزائل عن الحافظة ليس فى الحافظة .
﴿ فَتحْنَا ﴾ وقرأ ابن عامر بالتشديد فى جميع القرآن ، فوافقه يعقوب فى غير هذا ، والذى فى الأعراف ﴿ عَليهم أبْواب كلِّ شئٍ ﴾ من النعم أى مخارج النعم مثل أن يثمر لهم الأرض والشجر ، وينمى لهم الضرع والبطن امتحاناً بالرخاء بعد الامتحان بالشدة ، واستدراجاً ، وقال عليهم للكثرة إذ غمرهم فى الخيرات ، وغلب عليهم ، وقيل : بدلنا مكان البأساء الرخاء والسعة فى الرزق ، ومكان الضراء الصحة والسلامة ، أخذهم وألا بالمكروه ليتضرعوا ، وثانياً بالمحبوب ليشكروا ولم يفعلوا ، وذلك إلزام للحجة ، وإزاحة للعذر ، وهو متضمن للمكر بهم ، قال A : « مكر بالقوم ورب الكعبة » قال عقبة بن عامر : إن النبى A قال : « إذا رأيت الله تعالى يعطى العباد ما يشاءون على معاصيهم فذلك استدراج ، ثم تلا فلما نسوا ما ذكروا به » الآية .
﴿ حتَّى إذا فَرحُوا ﴾ فرح بطر واشتمال عن الشكر بالمعاصى ﴿ بما أوتُوا أخذْناهُم ﴾ استأصلناهُم إلينا ﴿ بغتة ﴾ فجأة ﴿ فإذا هم مبْلسُون ﴾ منقطعون عن الرجاء ، قال بعض السلف : قلما أخذ الله قوماً قط إلا عند سلوتهم وغبطتهم ، أغفل مما يكونون فيجيئهم أعظم إياس عند أعظم أمن ، قال الحسن : ومن وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأى له ، ومن فتر فلم ير أنهُ ينظر إليه فلا رأى له ، ثم قرأ عليه الآية ، وقال الزجاج : المبلس الشديد الحزن والحسرة وقيل : المطرق برأسه من الحزن .