هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

6

الجزء ٤ · صفحة ٤٥٨

﴿ ألم تَروْا كَم أهْلَكْنا قَبْلهم مِنْ قَرنٍ ﴾ القرن أهل عصر فيه نبى أو فائق فى العلم كان العصر قليلا أو كثيراً ، فالقرن أهل ذلك العصر لا نفس العصر ، وهو مأخوذ من قرنت الشئ بالشئ ، فأهل العصر اقترنوا بعض ببعض لاحتواء الزمان عليهم ، أو اقترنوا زمانهم ، أو بأمة قبلهم وبعدهم إذ تعاقبوا ، وقيل : القرن عشرة أعوام ، وقيل عشرون ، فهكذا العقود كلها أقوال إلى مائة ، وقيل : مائة وعشرون ، وأطلت الكلام على ذلك فى شرح المخمس لأبى نصر رحمهُ الله ، وعلل القول بأنهُ سبعون عاماً لأنها أغلب أعمار الناس ، والقول بأنه مائة بأن رسول الله A قال لبعض الصحابة : « تعيش قرناً » فعاش مائة سنة ، وهو عبدالله بن بشر المازنى ، وصحح هذا .

والقرن فى هذه الأقوال نفس الزمان ، فيقدر مضاف ، أى من أهل قرن ، أو سماهم باسم زمانهم ، سمى الزمان قرناً لاقترانه بزمان قبله ، وزمان بعده ، أو بأهله ، والقرون المهلكة كقوم نوح ، وقوم عاد ، وثمود ، وكم للتكثير خبرية مفعول مقدم لأهلكنا ، ومن قرن بيان لكم نعت لها ، وجملة أهلكنا مفعول ليروا ، سوغ تسلطه على الجملة تعليقه عن نصب مفردين ، أو مفرد وجملة بالاستفهام وذلك المفعول قائم مقام المفعولين ، إذ الرؤية علمية ، ويجوز أن يكون بصرية لأنها تعلق أيضا ، ومعنى رؤيتهم أنهم أبصروا مساكين المهلكين ، والعلمية أولى .

﴿ مَكَّنَّاهُم فى الأرضِ مَا لَم نُمكِّن لَكُم ﴾ ثبتناهم فى الأرض تثبيتاً لم نثبته لكم ، أو ثبتناهم فى الأرض التثبيت الذى لم نثبته لكم ، فالتمكين الأول بمعنى التثبيت المتعدى لمفعول غير المفعول المطلق ، وللمفعول المطلق الذى هو ما الموصولة ، أو الموصوفة الواقعة على التمكين بمعنى ، والثانى متعد إلى مفعول هو ضمير المصدر محذوف على أنه مفعول به رابط الصلة ، أو الفة ، بمنزلة قولك : مكناهم تمكيناً لم نوقعه لكم ، أو التمكين الذى لم نوقعه لكم ، ولا يصح رد جعلها موصولة بأنها لا نقع نعتاً للمعونة ، لأنا إذا جعلناها موصولة لم نجعلها نعتاً للمعرفة ، بل نقول : هى واقعة على التمكين ، وهذا كما تقول فى جاء الذى قام إن الذى واقع على الرجل ، وإنما نجعل التمكين منعوتاً إذا عبرنا بالذى ، وذلك من مكن شئ فهو مكين أى متين وقوى .

ويجوز أن يكون مكنَّاهم بمعنى أعطيناهم ، فما مفعول به ثان واقعة على القوى ، والجسمية والأموال والآلات والعدد والعدة أعطيناهم من ذلك ما لم نعطكم ، وعدى نمكن لا ثانى لواحد محذوف ، أى نمكنه وضمن معنى ندفع ، فعدى الآخر باللام أى ما لم ندفعه لكم .

﴿ وأرْسَلنا السَّماء عَليْهِم مِدْراراً ﴾ السماء بمعنى المطر ، سمى سماء لأنه يجئ من جهة السماء ، أو لأنه كان الماء قبل إرساله غالباً مضلا ، وكل عال مفضل من فوق يسمى سماء ، أو السماء لمعنى السحاب على حذف مضاف ، أى ماء السحاب ، أو السماء لمعنى السماء الدنيا ، أو لمعنى الفلك المحيط ، فإن الماء ينزل من السماء ، أو من الفلك إلى الأرض ، فيقدر مضاف أيضا ، أى ماء السماء أو ماء الفلك ، ونزل نزول بكثرة بنزول السحاب نفسه ، أو السماء نفسها ، أو الفلك نفسه على طريق العرب فى المبالغة ، ومدراراً متتابعاً بكثرة حال ، والسماء صفة مبالغة من الدر بمعنى التتابع ، وذلك من در اللبن دروراً هو دار ، أى كثر ورده على الحالب ، والخطاب فى لكم لمشركى قريش على طريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، والغيبة فى عليهم لهم أيضا على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، هذا ما ظهر ، وقيل : الخطاب للمؤمنين ، وقيل : لهم وللناس المعاصرين لهم من أى جنس .

١٬٩٥٨ / ٧٬٦٨٠