هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

34

الجزء ٤ · صفحة ٤٩٧

﴿ ولقد كُذِّبتْ رسلٌ من قَبْلك ﴾ كثيرة عظام ، ومن قبلك نعت رسل ، أو متعلق بكذب ، هذا تسلية لرسول الله A عن تكذيب قومه له ، وهذا مما يدل على التفسير الأخير فى قوله : ﴿ فإنهم لا يكذبونك ﴾ وهو أن المعنى أنهم لا يصيرونك كاذباً بجحودهم ، سواء جحدوا بألسنتهم فقط أو بها وبقلوبهم ، لأن الرسل قبله كذبتم أممهم بألسنتهم قلوبهم ، أو بعض كذلك وبعض بألسنتهم .

﴿ فَصبرُوا على ما كُذِّبُوا وأوذُوا ﴾ عطف على كذبوا ، وما مصدرية ، أى فصبروا على تكذيبهم وإذائهم ، ويجوز عطفه على كذبت رسل ، أى كذبت رسل من قبلك وأوذوا ، وإذا عطف على واحد قدر مثله للآخر ، وكأنه قيل : ولقد كذبت رسل من قبلك وأوذوا ، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا ، وذلك أنه لا يحسن أن يقال : ولقد كذبت رسل من قبلك وأوذوا فصبروا على التكذيب فقط دون الإيذاء ، ولا أنهم كذبوا فقط صبروا على ما كذبوا وأوذوا معاً .

﴿ حتَّى أتاهُم نصْرنَا ﴾ حتى ابتدائية ، ولا تخلوا عن معنى الغاية لأنها كفاء السببية ، وهى للربط والاتصال ، فاصبر على التكذيب والإيذاء كما صبرت الرسل من قبلك ، ويأتيك نصرنا كما أتاهم نصرنا ، وتفريع حتى أتاهم نصرنا على صبروا أولى من تفريعه على كذبوا وأوذوا ، والمراد بالنصر القهر والغلبة ، أو إهلاك الأعداء ، أو إظهار البراهين والحجج ، والآية ، وعد النصر للصابرين .

﴿ ولا تَبْديل لكَلماتِ الله ﴾ مواعيده ، وهى قوله : ﴿ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ﴾ من صلة للتأكيد وبناء فاعل عند الأخفش ، المجيز زيادة من فى الإيجاب والتعريف ، والمانع يجعلها للتبعيض تتعلق بمحذوف وجوباً نعت لفاعل محذوف ، أى جاءك شئ ثابت حق نبأ المرسلين ، أى شئ هو بعض نبأ المرسلين ، ونبأهم هو خبرهم الواقع بينهم وبين أمهم ، إذ كانت أممهم تؤذيهم ويصبرون ويكذبونهم ، فما يمنعهم التكذيب عن التبليغ والتكرير ، وروى أن بعض المشركين أتوا رسول الله A فى نفر من قريش فقالوا : يا محمد ائتنا بآية من عند الله كما كانت الأنبياء تفعل ، فإنا نصدق بك ، فأبى الله أن يأتيهم بها ، فأعرضوا عن رسول الله A ، فشق ذلك عليه فنزل قوله تعالى :

١٬٩٩٧ / ٧٬٦٨٠