هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

3

الجزء ٤ · صفحة ٤٥٤

﴿ وهو الله فى السَّموات وفى الأرْضِ ﴾ الضمير عائد إلى الله ، على معنى العلمية ، وخبره الله على معنى الوصفية ، ولذا تعلق فى به أى وهو المعبود فى السموات وفى الأرض ، أو هو المستحق للعبادة فى السموات وفى الأرض ، أو وهو المسمى فى السموات وفى الأرض بإلهاً ، ولا يجوز أن يتم الكلام عند قوله : « هو الله » ويعلق فى السموات بيعلم بعده ، لأنه يكون الكلام بمنزلة قولك : الله الله باتحاد المبتدأ والخبر لفظاً ومعنى ، بخلاف الوجه الأول ، فإنهُ لو تكرر فيه تنزيلا لكن اللفظ الثانى وصف معنى بمعنى المعبود أو المستحق أو المسمى ، وأما ما فى الوجه الثانى فكلاهما بمعنى الذات الواجب ، اللهم إلا أن يؤل بقولك : الله من قد علمتم ، أو الله هو العظيم المعروف ، ففى هذا التأويل فالله خبر وقوله :

﴿ يعْلَمُ سرَّكم وجَهْركُم ﴾ خبر ثانٍ ، ويجوز أن يكون الله بدلا من هو ، وصح لوجود الاختلاف بالإظهار والإضمار ، كوجوده بالأخوة ، ولفظ زيد فى جاء زيد أخوك ، وجملة يعلم خبر ، وفى متعلقة بيعلم ، وصح تعليقها به ، لأن السر والجهر يعلمهما الله سبحانه هما فى السموات والأرض ، فلا يمنع من ذلك كونه تعالى لا تحويه السموات والأرض ولا شئ من المخلوقات ، وهذا كقولك : ألقيت المال فى الدار ، وإنما ألقيته من خارج الدار ، ولست فيها حال الإلقاء ، وكقولك رميت طائراً على شجرة ، وتعلق على برميت ولست حال الرمى عليها ، والأولى فى مثل رميت طائراً على شجرة أن يكو على شجرة متعلقا بمحذوف نعت لطائر ، أو لو جئ بطائر معرفة ، أو خصص كان على شجرة متعلقاً بمحذوف حال منه ، ولا يتعلق فى بسر لأنهُ مصدر لا يسبقه معموله ، نعم أجازه بعض لأن المعمول ظرف ، ولا سيما أنه ليس هنا على معنى انحلاله إلى فعل ، وحرف الموصول فصلا عن أن يقال : يلزم تقديم معمول الصلة على الموصول ، ولا يتعلق بجهر لذلك على ما ذكرت فيه ، لكن فيه مانع آخر وهو العاطف ، ومعمول المعطوف لا يسبق العاطف .

ويجوز أن يكون الله بدلا ، وفى السموات خبر ، ويعلم خبر ثان مفسر للاستقرار ، فإن كون الله فى السموات وفى الأرض بمعنى علمه فيهما ، فإن علمه سرنا وجهرنا وكسبنا ، يفهم منه علمه سرها فى السموات وجهره فهم مساواة تحقيقاً ، وفهم أولوية نظراً لبادئ الرأى ، ثم والله رأيت بلا مطالعة أن القاضى قال : يعلم سركم وجهركم بيان وتقرير للاستقرار الذى فى قوله فى السموات ، إذا جعل فى السموات خبراً ، وزاد أنه قال : إن الله تعالى لكمال علمه بما فى السموات والأرض كأنه فيهما ، وبالجملة فإن الله وله الحمد أولاً وآخراً ، ظاهراً باطناً ، فتح لى فى هذا التفسير فتحاً ظاهراً واسعاً ، وأرجو من الله الرحمن الرحيم القبول ، ومن الجملة ما فتح لى فيه ، وله الحمد على كل حال ، أنه إذا أخطأ قلبى أو نسيت شيئا وفق بصرى أن يقع عليه بلا قصد منى إليه ، ولا قصد درس ، ولا قصد تصحيح فأصلحه ، والسر ما فى القلب أو ترك به اللسان ولم تسمعه أذن صاحب اللسان ولا غيره ، ولم يمكن سمعه ، والجهر ما نطلق به اللسان قدر ما تسمعه أذنه أو غيره ، ولو لم يكن معه إنسان آخر وسركم ما قصدتم إخفاؤه من كلام أ فعل ، ولو اجتمع عليه اثنان أو أكثر ، والجهر ما لم يقصد إخفاؤه .

١٬٩٥٤ / ٧٬٦٨٠