9
الجزء ٤ · صفحة ٤٦٢﴿ ولو جَعلْناهُ مَلَكاً لجَعلْناه رجُلاً ﴾ ولو جعلنا المنزل عليهم المطلوب إنزاله ملكاً يرونه ويسمعون كلامه ، يقول لهم : إن محمداً رسول الله A كما شرطوا ، لجعلناه رجلا ، وتشبيه بليغ كزيد أسد ، أى لجعلناه كرجل أى على صورة من بنى آدم ، لأنكم لا تقدرون أن تروا ملكا على صورة رجل ، كما يتمثل جبريل للنبى A رجلا ، وكذا من لاقى من الملائكة ، وكان جبريل عليه السلام يتمثل على صورة دحية الكلبى ، وكذلك كانت الملائكة تجئ الأنبياءس على صورة رجل ، كما جاء الملكان داود فى صورة رجلين ، وكذا أتى الملائكة إبراهيم ولوطاً ، ولما رأى رسول الله A جبريل فى صورته التى خلق عليها صعق وغشى عليه ، وإذا أراد الله قوى بعض الأنبياء بقوة قدسية فرأوا الملك على صورته .
ويجوز أن تكون الهاء للرسول ، أى ولو كان النبى الرسول ملكا كما قالوا : « ولو شاء ربك لأنزل ملائكة » وقالوا : ﴿ وعجبوا أن جاءهم منذر ﴾ وقالوا : ﴿ أبعث الله بشراً رسولاً ﴾ زعموا أن الملك أشد هيبة وقدرة على تحصيل ما أرسل به ، وأكثر علماً ، لجعلناه على صورة رجل ، لأن القوة البشرية لا تقوى على معاينة الملك كما هو ، كما روى أن رجلين صعدا جبلا يوم بدر ينظران على من تقع الدائرة فيكونان عليه ، فرأى أحدهما جبريل يقول : أقدم حيزوم يخاطب فرسه ، فكشف عن قناع قلبه فمات مكانه ، ومع ذلك ظنه أنه ما رآه على صورته ، ولكن لأنه رآه نزل من السماء ، وإلا لمات الآخر أيضاً .
﴿ ولَلَبَسْنا عَليْهِم ما يلْبِسُونَ ﴾ : أى لخلطنا عليهم بالحكمة المذكورة ، وهى أنه لا طاقة لهم على رؤية الملك كما هو ما يخلطون على أنفسهم بالجهل والعناد ، ويقولون : ما هذا إلا بشر مثلكم ، ولو جعلناه ملكاً لكنا قد شبهنا الأمر عليهم حيث يظنونه رجلا لا ملكا فيبقون على قوله : ﴿ أبعث الله بشراً رسولا ﴾ « ولو شاء ربك لأنزل ملائكة » ونحو ذلك أو لبسهم ظنهم أهو ملك ، أو ظنهم أهو بشر ، أو للحق ضعفاءهم الشك ، هل هو ملك كما كانوا يريدون ، أعنى الأقوياء السائلين قيل فى شك فى النبوة والرسالة ، أو لبس الله عليهم عقابه إياه سماه لبساً للمشاكلة ، ولأنه جزاء لبسهم ولازمه ومسببه ، وقرأ الزهرى بتشديد باء لبسنا ، وتشديد ياء يلبسون المثناة التحتية .