12
الجزء ٤ · صفحة ٤٦٦﴿ لَيجمعنَّكم إلى يَوم القيامة ﴾ والله ليجمعنكم فى يوم القيامة ، إلى بمعنى فى ، ولا يجوز أن تكون تقدير ليجمعنكم من قبوركم إلى يوم القيامة ، لأن الزمان لا يكون غاية للمكان ، والمكان لا يكون غاية للزمان ، ويجوز تقدير المكان ، فيصح أى ليجمعنكم من قبوركم إلى موقف يوم القيامة ، فيكون المكان غاية للمكان ، ويجوز أن يكون المعنى : والله ليسكننكم فى القبور إلى يوم القيامة فيبعثكم ، ولا يصح أن يكون ليجمعنكم إلى يوم القيامة مع القسم المحذوف بدلا من الرحمة ، لأن الجملة لا تبدل من المفرد ، ولأن الجمع إلى يوم القيامة بعضه رحمة وهو جمع السعداء ، وبعضه غير رحمة وهو جمع الأشقياء ، فهو أعم من المبدل منه إلا عند مثبتى بدل الكل من البعض .
وكذلك لا يكون ذلك بدلا من جملة : كتب على نفسه الرحمة ، لأن كَتْب الرحمة أخص من الجمع من حيث إن الجمع نشر إلى الجنة وإلى النار ، فليسه كله رحمة إلا على ذا القول ، بل الشاهر أن الخطاب للكفار فقط ، وقد يدعى أن ذلك بدل إضراب من الجملة ، والتحقيق أن الجملة مستأنفة ، وعلى كل حال فالمراد البعث الجزاء ، ففيه وعيد الكفار ووعد للمؤمنين .
﴿ لا ريْبَ فيه ﴾ لا شك فى إتيان يوم القيامة ، الهاء ليوم القيامة ، ويجوز عودها إلى المدلول عليه بقوله تعالى : ﴿ ليجمعنكم ﴾ لا شك فى المحشر ، ولا شك فى جمعكم فى القبور ، أى فى إسكانكم فيها ماكثين إلى يوم القيامة ، وجملة ﴿ لا ريب فيه ﴾ مستأنفة أو حال من يوم أو نعت لمصدر محذوف ، أى جمعاً لا ريب فيه .
﴿ الَّذين خَسرُوا أنفسهم ﴾ منصوب على الاختصاص من عموم كاف ليجمعنكم ، فإن لفظه عام ، والمراد به الكفار فقط على الظاهر ، فبين بالذين خسروا أنفسهم نحو ما أفصحكم وأكرمكم معشر العرب ، فى أخص ذا الخطاب الذين خسروا ، أنفسهم أو أعنى الذين خسروا أنفسهم ، وفى ذلك ذم لهم أو خبر لمحذوف ، أى هم الذين أو مبتدأ خبره جملة هم لا يؤمنون من قوله :
﴿ فهم لا يؤمنُون ﴾ ثبتت فيه الفاء لشبه المبتدأ باسم الشرط فى العموم ، أو للإبهام وترتبه على خسرانهم ، كترتب الجواب على الشرط ، على معنى أنهم رسخوا فى الخسران ، بالتوغل فى إهمال نظر العقل ، وفى التقليد فصاروا لا يؤمنون بذلك ، وإما على أن الذين ليس مبتدأ ، فالفاء عاطفة على الصلة عطف اسمية على فعلية ، والفاء فى هذا الوجه أيضاً السببية والترتب ، ومعنى خسران أنفسهم تضييعها للنار ، أو تضييع الإسلام الذى ولدوا عليه .