هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

119

الجزء ٥ · صفحة ١٣٣

وانظر هذا الوجه الذى أذكره الآن وهو أن ترتيب السو فى اللوح المحفوظ هو على ترتيبها فى المصحف ، فالمائدة قبل سورة الأنعام فى اللوح المحفوظ ، ولو تأخر نزولها عن الأنعام ، فالمعنى باعتبار ترتيب اللوح المحفوظ والله أعلم ، وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وابن كثير فصل بالبناء للمفعول ، وغير نافع ويعقوب وحفص حرم بالبناء للفعول .

﴿ إلاَّ ما اضْطررْتم إليه ﴾ فإنه حلال أيضا ولو كان مما فصل لكم تحريمه بأن تشارفوا الموت أو ذهاب حاسة بالجوع ولم تجدوا سواه والذى اضطرهم هو الله ، والفعل مبنى للمفعول وهو مفتعل من الضر ، والطاء عن تاء ، والاستثناء منقطع ، أى لكن ما اضطررتم إليه يحل لكم ، وما موصول اسمى أو نكرة منعوتة ، ولا تصح أن تكون ما فى قوله : ﴿ ما حرم عليكم ﴾ حرف مصدر لضعف قولك : قد فصل لكم تحريمه عليكم ، وهب أنه لا ضعف فيه ، لكن لا يكون الاستثناء به متصلا ولو ضمنا الظرفية إلى مصدريتها ، لأن المعنى حينئذ قد فصل لكم مدة التحريم عليكم ، فإذا ضمت إليها الظرفية فالظرف مفعول ، أو المفعول الأشياء محذوفا ، أى قد فصل لكم الأشياء التى حرم عليكم مدة تحريمها ، وليس ما اضروا إليه زماناً فيكون مستثنى من المدة استثناء متصلا .

نعم رأيت بعض المتأخرين من الترك ، حاول الاستثناء المتصل بأن جعل ما فى قوله تعالى : ﴿ ما حرم عليكم ﴾ اسماً وما فى قوله : ﴿ ما اضطررتم ﴾ ظرفية مصدرية ، والظرف مستثنى استثناء متصلا من ظرف المحذوف ، أى وفصل لكم ما حرم عليكم فى جميع الأوقات إلا وقت اضطراركم إليه ، وهذا إنما يتم له على قول ابن الحاجب بجواز حذف الظرف المستثنى فى التفريع تسميته حال الإثبات ، وفى تسميتها ظرفية مصدرية فى الآية ، لأنها ليست ظرفية ، بل المصدر هو ظرف الزمان لنيابته عن اسم الزمان ، وإنما يقال : الظرفية إذا كان المعنى بأدام كذا سواء مع لفظ الدوام أو غيره ، لكن سماها ظرفية ، لأن المصدر المشتبك بها نائب عن الظرف ، وذكر أيضا وجها آخر للأشياء المتصل ، على أن ما فى الموضعين اسم ، وأن معنى ما حرم هو الميتة والدم ونحوهما تعتبر هذه الأشياء بقطع النظر عن تحريمها ، فيدخل فيها ما اضطررتم إليه .

﴿ وإن كثيراً ليضلُّونَ ﴾ فى أنفسهم بتحليل الحرام ، وتحريم الحلال ، وقراءة الكوفيين بضم الباء أى يضلون غيرهم ﴿ بأهوائهم ﴾ بتشبيههم فإنهم يحللون ويحرمون بأهوائهم كتحليل الميتة ، وتحريم ما ذبح باسم الله والبحيرة ونحوها ، فتقديرى بتحليل قبل بأهوائهم تقدير معنى ، وإن شئت فقدر بتشريع أهوائهم الحلال والحرام .

﴿ بغَيْرِ علمٍ ﴾ بدل اشتمال من بأهوائهم أو متعلق بأهوائهم لتأكيد لأنهم يتشبهون بغير علم يجيئهم من الله أن هذا حلال أو حرام أو بغير دليل يفيد العلم ، أو حال من أهواء ، ومن الهاء أو من الواو مؤكدة ، ووجه التأكيد أن العمل بالهواء مجرد عن علم ، وإنما يقال : وافق الحق الهوى ، إذا وافق لا عمل بهوى ، ووافق الحق ، وهذا حيث وافق ﴿ إنَّ ربَّك هو أعْلم ﴾ من غيره ﴿ بالمعْتَدِين ﴾ المجاوزين الحق إلى الباطل ، ثم رأيت القاضى قال : المجاوزين الحق إلى الباطل ، والحلال إلى الحرام .

٢٬١٣٣ / ٧٬٦٨٠