هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

127

الجزء ٥ · صفحة ١٤٥

﴿ لَهم دارُ السَّلام عنْدَ ربِّهم ﴾ الجملة مستأنفة كأنه قيل : ما لهم على تذكرهم؟ فقال : لهم دار السلام ، أو حال مقدرة من واو يذكرون ، أو من قوم لوصفه يتذكرون ، وهذه الجملة مقابلة كقوله : ﴿ يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ﴾ ذكر الله جعل صدره ضيقا حرجا ، فذكر عاقبته وهى جعل الرجس على الذين لا يؤمنون ، فالذين لا يؤمنون هم من جعل صدره ضيقا حرجا ، فهو من وضع الظاهر موضع المضمر ليملل جعل الرجس عليهم بانتفاء الإيمان ، ثم ذكر قوما يذكرون وهم من شرح صدره للإسلام ، فذكر عاقبتهم أنهم لهم دار السلام عند ربهم ، وذلك إن أريد لمن جعل صدره ضيقا حرجا المشرك فقط ، وإلا فليس من موضع الظاهر موضع المضمر ، والواضح أن يراد به المشرك وغيره كما مر .

وعند ربهم ظرف متعلق بمحذوف حال من المستكن فى لهم العائد إلى دار السلام ، لا من دار السلام ، لأنه مبتدأ الصحيح أن لا حال من المبتدأ ألا يجعل لهم نعتاً أو حالا لما قبل ، وجعلنا دار فاعلا لقوله لهم لاعتماده على صاحب حال ، اونعت ، فحيئنذ يجوز عند حالا من دار ، ومعنى كون دار السلام عند الله أنه تكفل بها ووعدها لأصحابها ، أو أنها فى علمه وغيبه فى أى مكان أرادها ، وأى وقت ، وفيها ما لا أذن سمعت ، ولا عين رأت ، ولا خطر على قلب بشر ، ودار السلام الجنة بأنواعها ، وهن ثمانى جنان ، وأضيفت للسلامة لسلامتها وسلامة من الآفات والفناء والأحزان والأمراض والأوساخ ، وكل ما يكره ، فالسلام مصدراً ودار السلام بمعنى دار التسليم كما قال الله تعالى : ﴿ تحيتهم فيها سلام ﴾ أو لمعنى دار الله السالم من النقص ، والسالم خلقه من ظلمه ، فتكون أضيفته لله تعظيماً كبيت الله ، وفى الإضافتين الاوليين تعظيم ، وهذه أعظم ، والسلام من أسماء الله السلام المؤمن المهيمن ، وبهذا الوجه يقول الحسن والسدى .

﴿ وهُو وليُّهم ﴾ يلى أمرهم بإيصال المنافع إليهم ، ودفع المضار دنيا وأخرى ، ولا استعمال الوالى فى ذلك المعنى اكتفى به عن ذكر النصير ، وقيل : المراد ذلك لكن فى الدنيا ، لأن الآخرة ذكرها بقوله : ﴿ لهم دار السلام ﴾ لكن لا يكون قوياً مع قوله ﴿ بما كانُوا يعْملُون ﴾ لأن التعليق بالكسب يقتضى الآخرة ، لأنها المعتبرة ، وقيل : يلى أمرهم فى الدنيا بالتوفيق ، وفى الآخرة بالجزاء ، أو نسب للحسن بن الفضل ، وقيل : وليهم ناصرهم على عدوهم ، وقيل : محبهم ، والباء للسببية فى جميع الأوجه ، ويجوز كونها للملابسة إذا كان وليهم بمعنى متولى أمرتهم على حذف مضاف ، أى متولى أمرهم بجزاء ما كانوا يعملون ، وتتعلق بقوله : ﴿ وليهم ﴾ وإن كان بمعنى متولى أمرهم تعليقها بحال محذوف ، أى ملتبساً بجزاء ما كانوا يعملون .

٢٬١٤٥ / ٧٬٦٨٠