هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

113

الجزء ٥ · صفحة ١٢٥

﴿ ولتَصْغِى إليه أفئدةُ الَّذينَ لا يؤمنُونَ بالآخِرةِ ﴾ عطف على غرورا إذ جعلنا غروراً مفعولا من أجله ، عطفا على المعنى ، لأن المعنى للغرور ، ويسمى فى غير القرآن عطف توهم ، وإنما جئ بلام الجر ولم يقل : وإصغاء أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة إليه بنصب إصغاء عطفاً على غرور ، لأن فاعل لتصغى ، وفاعل عامل المغرور غير متحد فجر ، بخلاف فاعل غرور وفاعل عامله فمتحدان ، والجملتنان بين غرور أو لتَصْغى معترفان ، وإذا لم نجعل غروراً مفعولا من أجله لم يعطف عليه لتَصْغى ، وعلى كل حال يجوز أن يعلق بمحذوف ، أى وجعلنا لكل نبى عدوّاً لتصغى أو أوجدنا ذلك لتصغى ، أو فعلنا ذلك لتصغى أو نحو ذلك ، وإن يعطف على محذوف متعلق بجعلنا الذى ذكر فى الآية ، أى ليغروا ولتصغى .

إنما يصح التعليق بالجعل المذكر بواسطة العطف على محذوف ، أو بالجعل المقدر مثله ، إذ جعلنا الكلام منسحباً إلى قوله : ﴿ يوحى ﴾ بأن جعلنا يوحى حالا من شياطين ، وصغوا الأفئدة إليه كفر ، وهو مع ذلك مراد لله تعالى ، وكذا الرضا به فى قوله : ﴿ وليرضوه ﴾ والمعتزلة منعوا ذلك ، فجعلوا اللام للصيرورة أو للقسم ، كسرت لما لم يؤكد الفعل بعدها بالنون ، أو لام الأمر التهديدى ، ويردّه أن لام جواب القسم لا تكسر ، أكد الفعل بالنون أو لم يؤكد ، ولو زعموا أنها كسرت هنا فرقاً بينها وبين لام الابتداء ، وهذا أيضا مبنى على جواز دخول لام الابتداء على المضارع بلا تقدم لئن ، أو دخول لسوف أو السين عليه ، ولو كانت لام الأمر لحذفت الألف وثبوت حرف العلة مع الجازم ضرورة ، وقيل : غلة ضعيفة يعتبر أهلها عمل الجازم بعد تقدير الضمة ، ولكن لضعفها لا يخرج عليها القرآن ، ثم إنه أين نظيرها فى القرآن؟

ودعوى أن الألف للإشباع تكلف بلا داع ، ثم إن حذف النون فى ليرضوه يضعف جعل اللام فى لتصغى لام جواب القسم ، لأن العطف عليه ، وادعاء أن النون حذفت تخفيفا تكلف ، والصغو والصغى الميل ، أى ولتميل إليه أفئدة ، يقال : صغا يصغو كدعا يدعو ، وصغا يصغى كعلم يعلم ، ولتميل إلى الباطل أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة فيتبعوه .

﴿ وليرْضَوْه ﴾ لأنفسهم ديناً ﴿ وليقْتَرفُوا ﴾ يكتسبوا ويتناولوا ﴿ ما هُم مُقْتَرفُون ﴾ إياه ، وفسر الزجاج الاقتراف بالكذب ، وهو تفسير بالمعنى المراد فى الآية ، وإلا فليس الاقتراف فى اللغة الكذب ، بل الاكتساب كما قال جل وعلا : ﴿ ومن يقترف حسنة ﴾ ومع كونه تفسيرا بالمعنى يضعف من وجه آخر أيضا ، وهو ليس المراد اقتراف ألسنتهم ، بل المراد كسب السيئات فى القلب أو باللسان أو بالجوارح .

٢٬١٢٥ / ٧٬٦٨٠