111
الجزء ٥ · صفحة ١٢٠﴿ ولَو أنَّنا نزَّلنا إليْهم الملائكة ﴾ تشهد بأن محمداً A رسول الله كما طلبوا ﴿ وكلَّمهم الموتَى ﴾ بأن أحيينا لهم من تقادم موته كقصى ، ونطق لهم بلسان فصيح ، أن محمداً A رسول الله كما طلبوا ﴿ وحَشَرنا ﴾ جَمعْنا ﴿ عَليْهم كلِّ شئٍ ﴾ خلقه الله من الدواب والوحش ، والطير والحوت ، والجبال والشجر والحجارة ، وغير ذلك من كل ما خلقه الله ونطق لهم بأن محمداً رسول الله A ، وذلك زيادة على ما طلبوا ﴿ قُبُلاً ﴾ ينطق برسالته مواجهة يرونه بأعينهم ويسمعونه بآذانهم .
﴿ ما كانُوا ليُؤمنُوا ﴾ بالله وحده ، وبمحمد A رسوله لقضاء الله بكفرهم ﴿ إلاَّ أنْ يَشاء اللهُ ﴾ إلا مشيئة الله ، أى لكن مشيئة الله هى المعتبرة ، فالاستثناء منقطع ، أو إلا بأن يشاء الله ، أى إلا بمشيئته ، فالاستثناء متصل ، ومعنى قولهم : إن الآية نزلت فى المستهزئين وغيرهم ممن قال لا نؤمن ، إلا أن جاء ببعض أسلافنا والملائكة وشهدوا له بالرسالة أن معناها عائد لذلك ، لأنها نزلت مفردة فى زمان لذلك الشأن ، لأن الأنعام نزلت بمرة ، فالقصة الواحدة تنزل فى شأنها آيات واحدة فى حال وقوعها ، أو السؤال عنها ، والآخر بعد ذلك ، والنازل فى هذه القصة آية الأسرى وغيرها تكرير لها لحكمة ، وعلى الاستثناء المنقطع لا يكون الاستثناء لأحد يؤمن والآية فى المشركين الأشقياء ، والمعتبر فى شقاوتهم مشيئة الله ، وعلى الاتصال يكون الاستثناء لقوم سعداء ، شاء الله إيمانهم .
وزعمت المعتزلة أن الاستثناء منقطع على طريق يناسب اعتقادهم ، هو أن المراد عندهم ، إلا أن يشاء الله إيمان الأشقياء إجباراً لا اختباراً كذا قيل عنهم إن الإيمان القهرى لما لم يكن من الاختيارى كان منقطعا ، وهذا خطأ فى الإعراب كما أخطأت المعتزلة فى المعنى أيضا ، فإن الإيمان ولو أريد منه الاختيارى فى قوله : ﴿ ما كانوا ليؤمنوا ﴾ لكن لفظ عام فالاستثناء المتصل سائغ ولو على مذهبهم ، والحق أن المشيئة مشيئة إيمانهم اختياراً ، أى لو شاء الله تعالى لآمنوا اختياراً ، ولما لم يؤمنوا علمنا أنه ما شاء إيمانهم ، وأما إيمانهن قهراً فلا مدخل له ، ولا حضور فى الكلام ثبوتاً ولا نفياً ، ومعنى قُبُلاً مقابلة ومواجهة ، مفعول مطلق ، أى حشر مقابلة ومواجهة ، أو حال من كل أى مقابلا ، أو ذا مقابلة ، وذلك قراءة نافع وابن عامر بكسر القاف وفتح الباء ، وقرأ غيرهما قبلا بضمهما ، ومعناه مقابلة عند ابن عباس ، وذلك قراءته ، فإعرابه كإعراب قراءة نافع كلها ، وزاد عليها بأن يكون جمع قبيل بمعنى الكفيل وهو قول الزجاج والفراء قبله ، أى كافلين بصدق محمد فى وعده ووعيده ورسالته وإخباره ، أو جمع قبيل بمعنى فريق ، أى يحشرهم جماعة جماعة ، أو صنفا صنفا يشهدون لهُ وهو أيضا فى الوجهين حال .