130
الجزء ٥ · صفحة ١٥١﴿ يا مَعْشر الجنِّ والإنس ألم يأتكم رسلٌ منكُم ﴾ رسل من الإنس إلى الإنس تسمع من الملك ، ورسل إلى الجن من الجن يرسلها إليهم بأمر الله ، رسول الإنس يسمعون من رسول الإنس ، وليس ذلك جميعاً بين الحقيقة والمجاز ، لأن لفظ الرسول موضوع لرسول الله ورسول غيره ، وها هنا تذكرت قوله تعالى فى رسل عيسى عليه السلام : ﴿ إنا إليكم مرسلون ﴾ ﴿ إنا لمرسلون ﴾ يتبع ﴿ اتبعوا المرسلين ﴾ فى قول من يقول إنهم رسل عيسى لا رسل الله ، وقد أرسل رسول الله سيدنا محمد A ليلة الجن إلى الجن رسلا منهم وقال الله فيهم : ﴿ ولَّوا إلى قومهم منذرين ﴾ وإنما فسرت بذلك الآية لأن الأنبياء كلهم من الإنس ، وأما الجن فتسمع من رسل الإنس ومن أممهم ، فالرسل فى الآية رسل من الإنس ورسل من الجن ، لكن رسل الجن ليست مرسلة من الله ، بل مرسلة من رسله ، ثم رأيته عن ابن عباس ، وفى الآية تأويل آخر هو أن الرسل فى الآية رسل الإنس ، وأما الجن فتسمع منهم ومن أممهم ، وعليه فنقوله : ﴿ منكم ﴾ أريد به المجموع لا جمع الفريقين ، وليس المراد من هذا الفريق ومن هذا الفريق ، فالرسل من الإنس فقط ، وقيل منكم خطاباً للجن معهم لاستوائهم فى التكليف بما يجئ به الوحى ، وجمع الخطاب لهم فى قوله : ﴿ يا معشر ﴾ وقوله : ﴿ يأتكم ﴾ كما شهر فى قوله : ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ﴾ أى منهما لم يعدهما لكن من أحدهما وهو المالح لا منهما جميعاً .
وقال الضحاك رسل الجن من الجن يأتيها الوحى من الله ، كما أن رسل الإنس من الإنس يأتيها الوحى من الله متمسكاً بظاهر الآية وبقوله تعالى : ﴿ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ﴾ وقوله تعالى : ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلا ﴾ وقوله تعالى : ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ﴾ وجه الدلالة بالآيتين ظاهر لكن من تأويل الأولى ، وأما الثانية فلا يتعين أن يكون النذير منهم ، بل نظيرهم من الإنس رسول ينذرهم ويرسل إليهم ، هو منذراً منهم ، كما ذكر الإنذار مثل هذا وأريد به الإنذار بإرسال رسول الإنس رسولا منهم إليهم ، إذ قال الله جل وعلا : ﴿ وإذ صرفنا إليك ﴾ الآية وأيضاً إذا كان فى أمة رجل مسلم أى يعظ ويذكر الأحكام والجن تسمع منه وتحضر مجلسه ، فهو نذير الإنس خلاف الإنس والجن .
وجه الدلالة بقوله : ﴿ ولو جعلنا ﴾ وقوله : ﴿ وما أرسلنا من رسول ﴾ لأن الحكمة فى جعل الرسل من الإنس للإنس ، وجعلهم بلغة قومهم أن يتمكنوا من مواجهتهم ومن فهم كلامهم ، ويأنسوا بهم ، فكذا الرسول من الجن للجن أحق أن يتأسوا به ، وقال الضحاك ومن تبعه : يحتمل أن يكون جاء بعد الإجماع على أن لا رسول من الجن ، فلا يعتد به ، ويحتمل انعقاد الإجماع بعده فبلغه ، وهذا كله بعد وجود الإنس ، وأما من زعم أن الجن قد عمرت الأرض قبل آدم ، وأن إبليس والعياذ بالله ذرية منهم لا أولهم فلا يصح عندنا معشر الأباضية ، وعلى تقدير صحته فرسلهم منهم قطعاً قبل آدم ، وأجمعت الأمة أن رسول الله سيدنا محمداً A مرسل إلى الثقلين .