114
الجزء ٥ · صفحة ١٢٦﴿ أفغيْر اللهِ أبتَغى حَكَماً ﴾ قل يا محمد للمشركين الذين يبتغون غير الله حكما : أفغير الله أبتغى حكما ، ورسول الله A لا يبتغى غير الله حكما لكن قد يحتمل عند المشركين أن يبتغى حكما غير الله ، ولذلك أمره الله أن يقول لهم ذلك ، إنكاراً عليهم ، وهب أنه لم يحتمل ذلك عندهم ، لكن أمر أن يقوله لهم رداً عليهم بطريق لطيف ، هو أن الإنسان فى العادة والطبع لا يكره الخير لنفسه ، فبانتقائه من غير الله حكما ، يعلمون أن ابتغاء غير الله حكما غير صواب عنده ، وقد سموه الأمين ، وعرفوا صدقه ، فلعله يخطر فى قلوبهم أن ينتفعوامما انتفى .
وكان مشركو قريش يقولون لرسول الله A : اجعل بيننا وبينك قاضياً حَكَماً يميز المحق منا من المبطل ، فأمره الله تعالى أن يجيبهم بقوله : ﴿ أفغير الله أبتغى حَكما ﴾ أعنى نزلت الأنعام جملة وفها هذه الآية جواباً لهم على طريق التعجب والغ ، كار ، كيف أطلب حكما يحكم بيننا ، ويفصل المبطل من الحق غير الله ، وقد حكم بيننا ، والهمزة مما بعد الفاء أو داخلة على محذوف أى أأكفر فاطلب غير الله حكما ، وغير مفعول لأبتغى ، وحكما حال من غير ، ولو كان نكرة لا يتعرف بالإضافة ، أو غير حال من حكما ، ولو كان حكما نكرة لتقدم الحال ، وحكما مفعول لأبتغى ، أو غير مفعول لأبتغى ، وحكما تمييز ، والحكم الذى لا يحكم إلا بالعدل وهو أخص من الحاكم .
﴿ وهُو الَّذِى أنزلَ إليْكم الكِتابَ مُفصَّلا ﴾ الواو للحال ، والجملة حال ، وصاحب الحال ضمير أبتغى ، حكما غير الله ، وقد حكم الله فى كتابه الذى أنزل ببيان ما هو الحق ، فلا نحتاج إلى حكم مع حكم الله ، ولا يصح حكم غيره ، ومحصل قوله : ﴿ أفغير الله أبتغى حكما وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا ﴾ أن القرآن مغن فى الحكم بيننا عن سائر الهبات من حيث إخباره بالغيوب ، ومن حيث بلاغته ، وكيف أبتغى حكما والحال أيضا أن التوراة والإنجيل شاهدان لى ، وحاكمان لى بالصدق والنبوة والرسالة كما قال : ﴿ والَّذينَ آتيناهُم الكِتابَ يعْلمونَ ﴾ من الكتاب وهو التوراة ، والإنجيل وهم اليهود والنصارى ﴿ أنه ﴾ أى الكتاب الذى أنلز مفصلا وهو القرآن ﴿ مُنزَّلٌ من ربِّك بالحقِّ ﴾ مقترنا ، الحق بأهل الكتاب يعلمون أنه رسول الله ، والقرآن من عند الله ، ولكن ينكرون عناداً وحسداً ، ومن لم يقرأ الكتاب من اليهود والنصارى ، ولم يمسعه ولم يفمه ، ففى حكم من علمه لوضوح دلائله بحيث تدرك بأدنى تأمل ، ويجوز أن يراد أهل الكتاب الذين آتاهم الكتاب من قراءة ، أو سميعه وعلمه لا مطلق اليهود والنصارى ، وقيل : ألمراد بالذين آتيناهم الكتاب عليماء الصحابة ، ورؤساؤهم كأبى بكر وعمر وعلى ، هذا فالكتاب القرآن لا التوراة والإنجيل ، ويجوز أن يراد بالذين آتيناهم الكتاب من آمن منهم ، كعبد الله بن سلامن والجملة معطوفة على جملة الحال قبلها ، وقرأ ابن عامر وعاصم من طريق حفص عنه بفتح نون منزل وتشديد زايه .