124
الجزء ٥ · صفحة ١٤١﴿ وإذا جاءتْهُم ﴾ أى رؤساء قريش المرادون بأكابر مجرميها أو كفار قريش ﴿ آيةٌ ﴾ دالة على صدق رسول الله A ﴿ قالُوا ﴾ أى رؤساء أو كفار قريش ، والقائل حقيقة رؤساؤهم ﴿ لَنْ نُؤمنَ ﴾ بمحمد وبما يقول ﴿ حتَّى نُؤتى مِثْل ما أوتىَ رُسُل اللهِ ﴾ الماضون من النبوة والرسالة ، فنكون أنبياء رسلا مثلهم ، وقال مقاتل : الآية فى قول أبى جهل المذكور آنفاً ، وقال الفخر عن المفسرين فى قول الوليد ، واستحسن بعض ما روى عن ابن عباس أنهم لم يطلبوا أن يكونوا رسلا ، بل المعنى حتى ينزل الله علينا جبريل يصدقك ، والصحيح الأول من أنهم طلبوا أن يكونوا رسلا ، لأنه ظاهر قوله : ﴿ حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله ﴾ ولقوله تعالى ردا عليهم :
﴿ الله أعْلمُ حيثُ يَجْعل رِسالتَه ﴾ فإنهُ ظاهر فى أن المعنى أنهُ تعالى أعلم ممن يتأهل لأن يكون رسولا ، وهذا إنما يصح رداً على من يزعم منهم أنهُ أهل للرسالة ، لا على من طلب نزول الملك بتصديق رسول الله A ، أى لستم أهلا لها ، لأنكم تطلبونها ، ولأنكم أهل إجرام ومكر ، ولأنكم أهل شرك ومعاص ، ولا نبوة لأهلها ، ولأنكم مطاعون فى قومكم ، فلو أوتيتموها قيل إنكم رؤساء مطاعون فاتبعكم الناس لذلك لا لصحة النبوة ، بخلاف محمد رسول الله A ، فإنه يتيم من أبيه وأمه معا ، وليست الرسالة بالمال والسن ، ولا من أجل النسب ، ومع ذلك يبعث الله الرسل من أشراف أقوامهم ، كما بعث رسول الله A ، بل بالفضائل النفسانية من حيث الدين بلا كسب لها ، أعنى بدون أن يدوم العمل فيترقى إلى رتبتها لا بقصده إليها ، ولا بدون قصده إليها ، وقيل : بالكسب بدون قصده .
وحيث مفعول لمحذوف أى يعلم ، أى يعلم يجعل رسالته ، هذا على جواز تصرف حيث إلى المفعولية ، وأن ما لم يجعل مفعولا به لأعلمن لأن أعلم اسم تفضيل ، اللهم إلا أن يقال : إنه بمعنى عالم أو عليم ، فنصب المفعول وهو حيث ، وعلى نصبه لمحذوف يكون المعنى الله أعلم بكل شئ يعلم حيث ، والأظهر أن حيث تتعلق بأعلم وهى ظرف ، أى أعلم فى موضع جعل الرسالة ، أى هو أعلم فى هذا المعنى ولا حصر مراد فى ذلك ، بل هو أعلم فى كل شئ وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم : رسالته بالإفراد وفتح التاء .
﴿ سَيُصيبُ الَّذين أجْرمُوا صَغارٌ عنْد اللهِ وعَذابٌ شَديدٌ ﴾ سيصيب الذين أتوا الله بذنوب عظام ، ذل وحقارة وعذاب شديد بعد كبرهم مجازاة بعد مطلوبهم الذى هو العز والكرامة ، إذ حاولوهما بمعصية الله ، وتلك الإصافة بالآخرة كما قال عند الله ، أى فى الآخرة عند الله ، لأن الناس يحضرون فيه للحساب ، كمن يحضر الملك للحساب ، فعند متعلق بيصيب ، وقيل : عند الله متعلق بمحذوف نعت لصغار ، وإن الإصابة فى الدنيا ، فالعذاب على هذا القتل والأسر والسلب ، وفيه هوانهم وذلهم .
وقيل : يتعلق بمحذوف نعت لصغار ، وهو فى الدنيا بالقتل والأسر والسلب ، والعذاب الشديد فى الآخرة ، ولذلك أخره ، وقيل : إن الصغار والعذاب الشديد كليهما فى الدنيا والآخرة معا ، وإن عذاب شديد فى نية التقديم على عند الله ، وقيل : معنى أجرموا قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله .
﴿ بما كانُوا ﴾ بسبب كونهم ﴿ يمْكُرونَ ﴾ أو على مكرهم أى جزاء لمكرهم .