هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

108

الجزء ٥ · صفحة ١١٤

﴿ ولا تسبُّوا الَّذينَ يدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ﴾ النهى للنبى A والمؤمنين ، وواو يدعون من مشركين ، ومعناه يعبدون أو طلبون منهم حوائجهم ، والذين الأصنام ، وإنما قال فيهم الذين مع أنهم ليسوا بعقلاء ، لأنها عندهم بمنزلة العقلاء .

﴿ فَيسبُّوا اللهَ عدواً بغيرش علمٍ ﴾ النصب فى جواب النهى بعد فاء السببية ، نهاهم أن يسبوا الأصنام لأن سبها سبب لسب المشركين الله عدواً أى تجاوزاً إلى وصفه تعالى بالباطل بغير علم ، بما يجب وصف الله به ، فإن سبَّها طاعة ، لكن لما أدى إلى معصية وجب تركه ، ونهى عنه ، فذلك نهى عن سب الله ، وكذا كل طاعة أدت إلى معصية ، فتخرج أن يكون طاعة ، فيجب النهى عنها من حيث إنها تؤدى إلى معصية ، فالنهى عن المنكر إذا كان يؤدى إلى معصية وجب تركه ، وكان معصية ، وكذا لو استحق الواحد اللعنة ، وكان لو لعنته للعن ابنه أباك ، فأنت تقصد بلعنه طاعة لم يجز لك ، وقد كان يكفيك لعنه سراًن أو فى غير ذلك الوقت ، أو كفى ما سبق من اللعن .

وأما ما لا يكون سبباً لمعصية من الطاعات ، فلا يترك لأجلها ، ولما ترك محمد بن سيرين صلاة الجنازة لما يحضرها من النساء ، فرجع قال له الحسن : لو تركنا الطاعة لأجل المعصية لأسرع ذلك فى ديننا ، فأما أن يكون تخييلا لابن سيرين أن ذلك مثل الطاعة تسببت لمعصية فتركها ، فنبهه الحسن أن هذا ليس كذلكن لأن صلاة الجنازة ليس سببا لعصيانهن ، لأنهن يحضرن الجنازة ، ولو لم تحضر الرجال ، وإما أن يكون اختار الحوطة والنجاة عن الغنيمة .

وقد اختلف اختيار المؤمنين فى طاعة يخاف عليها من معصية ، فبعض يختار السلامة ويطيع بغيرها ، وبعض يختار اغتنامها مع التحرز عن مواقعة المعصية ، وأظن أن هذا مرمى ابن سيرين ، والذى عندى اختيار الطاعة والتحرز عن المعصية والنهى كحضور جنازة فيها نائحة تنهى ولا تنتهى إلا المنظور إليه ، فلعل الترك له أحوط لئلا يقتدى به مقتد غير عالم بمخرجه ، وذلك فى غير الفرض الذى لا يحتمل التأخير والبدل ، وأما هذا الفرض فلا يترك ، ولو يؤدى لمعصية كقتال المشركين المؤدى إلى قتالهم للمؤمنين وسبهم ، بخلاف سب الأصنام فإنه ليس واجباً ، وإنما الواجب النهى عن عبادتها ، فكانوا يسبونها فيسبّ المشركون الله تعالى غضبا ، لا مع أنهم يقرون به تعالى ، كما رتى موحدا يغضب فيلغط بالشرك ، فنهاهم الله عن سبها .

وعن ابن عباس : لما نزل : ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ قال المشركون : يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون ربك ، فنزلت الآية فى الأنعام لذلك ، أى نزلت فى جملة الأنعام لذلك بمرة ، ولا بترك القرآن لأجل سبهم ، ولكن إذا كانت قراءته بحضرتهم سبباً لسب الله لم يقرأ بحضرتهم إلا الإبلاغ والإنذار والنهى ، وقيل : إذا لم ترد بقراءته سبها قرأته بحضرته ولا بأس ، وللو صرح بالسب ، وقيل : لا تقيسوا على ما ورد من السب فى القرآن ، فتسبوا من عندكم ، وأما ما فى القرآن فيقرأ ولو سباً ككونها حصب جهنم ، ولا تضر ولا تنفع .

٢٬١١٤ / ٧٬٦٨٠