103
الجزء ٥ · صفحة ١٠٦﴿ لا تُدْركه الأبْصار ﴾ لا تراه فى زمان ما رؤية ما بصر ما ، ولا دليل على أن الإدراك موضوع لرؤية الشئ ، ورؤية تقيد العلم من كل وجه لا لمطلق الرؤية ، وأل فى الأبصار للحقيقة فانتفى الإدراك أى الرؤية مطلقاً عن حقيقة البصر ، فكل ما يسمى بصراً لا يراه ، أو للاستغراق حقيقة بمعنى كل ، والنفى مع ذلك كلية لا كل ، أعنى لعموم الصلب ، ولو تأخرت عن النفى ، وذلك كثير فى القرآن كقوله تعالى : ﴿ ولا تطع كل حلاَّف ﴾ ﴿ والله لا يحب كل مختال ﴾ ونحوه ، والداعى لذلك أن دعوى جواز رؤيته يدل على جواز النقص عليه ، لأن المرئى لون وجسم وحال فى مكان ، وله عوض ، لأن لكل جسم عرضاً ، وتركيباً وجهات ست ، وحاجة وجريان زمان عليه ، وحدوث وعجز بما بعد عنه ، واحتجاب عن من لا يحضره ، فللزوم ذلك يجب تأويل حديث : « إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون البدر » بمعنى أنكم ستحققون وجوده ووعده ووعيده ، وتزيدون يقيناً كما تكشفون البدر ، وهذا كما تعلم أشياء وتجزم بوجودها وبصفاتها ولم ترها ولم تحسها ، وإذا رأيتها فلا بد أن تصفه بالمكان والجهة وتكيفه بأمر ، فبطل ما يقال إنه كما نعلمه بلا مكان ولا حدولا كيف .
كذلك يبصره بلا حد ولا مكان ولا كيف ، لأن الرؤية لابد فيها من تكييف وحد ومكان ، وكذلك يجب تأويل ﴿ إلى ربها ناظرة ﴾ كما تراه إن شاء الله فى محله ، فالرؤية نقص فى حقه فنفيه إياها عن نفسه نفى للنقص ، كما نفى عن نفسه سائر النقائض ، ولا يلزم من امتناع الوصف لشئ للذات امتناع أن يذكر نفيه ، فالشركة ممتنعة عن الله بالذات ، وقد نفاها الله جل وعلا ، فكما نفى الشركة مدحاً وتعظيماً ، كذلك نفى الرؤية مدحاً وتعظيماً ، فلا يقال إذا كان فى نفسه ممتنع الرؤية لم يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم .
وإذا كان الإدراك موضوعاً لمطلق الرؤية فلم خصوه فى الآية بالإحاطة ، مع أن الحديث الداعى لذلك ، وهو حديث الرؤية يجب تأويله لأدائه بلا تأويل إلى مستحيل ، وقد علمت الأشعرية بذلك إلى أن تستروا إلى قولهم نرى بلا كيف ، بل قال الله جل وعلا : ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ ليدل على أن رؤيته مستحيلة بعيدة فائتة كالشئ الذى فات ، بحيث لو أريد التحاق به ، واجتهد فى ذلك لم يدرك ولا دليل على اختصاص نفى رؤيته بالدنيا إلا ذلك الحديث ، وتلك الآية ، وقد علمت وجوب تأويلهما ، ولا يضرنا أن يدرك فى قوله :
﴿ وهُو يُدْرك الأبْصار ﴾ بمعنى يعلم الإبصار من حيث إنه تعالى منزه عن الجوارح ، لأنا نقول : استحالة الجارجة عنه تعالى دليل على أن هذا الإدراك المثبت له بمعنى العلم اللازم لبصر العين فى الجملة ، لا بمعنى الإدراك المنفى عنه تعالى ، وهو رؤيته ، ولا يصح جعل الإدراكين معاً بمعنى العلم ، لأن البصر لا يعلم شيئا فضلا عن أن يقال لا تعلمه الأبصار ، كما لا يقال : الخائط لا يعلمك إلا لداع إلى قوله ، وإنما العالم القلب ، والقلب يعلم الله إلى شبه معنى لا تدركه الأبصار لا تراه ، وهب أنه بمعنى لا يعلمه أحد ، فمعناه لا يعلمه العلماء علم إحاطة ولا بأس بذلك ، فيبقى نفى الرؤية مأخوذاً من نفى صفات النقص المذكورة آنفاً عنه تعالى ، كما قال السدى : البصر بصر المعاينة ، وبصر علم ، وذكر الأبصار فى قوله : ﴿ وهو يدرك الأبصار ﴾ لتأكيد نفى رؤيته تعالى ، من حيث إن الأبصار الباصرة يدركها ، ولا تدركه ، ولذلك لم يقل وهو يدرك الأبدان أو الأجسام أو الأشياء أو نحو ذلك ، وزاد تأكيد نفيها بقوله :
﴿ وهُو اللَّطيفُ الخَبيرُ ﴾ فإن اللطف الدقة والخفاء ، أى هو بعد من أن يراه بصر ما فى زمان ما رؤية ما ، وهو العليم علما دقيقا بكل بصر وغيره ، فإن الخبرة العلم بدقيق الأمور ، فهو يدرك ما لا يدركه الأبصار ويعلم ما لا يعلمه غيره ، فهو لا ييرى كما لا يرى الشئ الذى ليس من الكثافة فى شئ ، كما لا ترى الريح لا تراه ، تعالى الله علواً كبيراً عن كل نقص ، وعن أن يشبه الريح أو غيرها ، وعن أن يوصف بالكثافة أو اللطافة الحقيقية ، فقوله : « اللطيف » عائد إلى قوله : ﴿ ولا تدركه الأبصار ﴾ لأن من شأن الشئ الدقيق الخفى من الأجسام أن لا تدركه الأبصار ، تعالى الله عن الدقة والجسمية ، وقوله : « الخبير » عائد إلى قوله : ﴿ وهو يدرك الأبصار ﴾ كيف لا يدركها من هو عالم بدقائق الأمور ، وقيل : معنى اللطيف بغوامض الأمور ، ودقائق المعانى والحقائق ، فهو أبلغ من الخبير ، والأبصار جرم الناظر من العين أو العين كلها .