هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

99

الجزء ٥ · صفحة ٩٩

﴿ وهُو الَّذى أنزلَ منَ السَّماء ماءً فأخْرجْنا بهِ نَباتَ كلِّ شئٍ ﴾ السماء السحاب ، لأن كل ما كان فوقك منفصلا عنك فهو سماء كسقف وأعلى الخيمة والمظلة التى لم تلتصق برأسك ، أو هى السماء الدنيا ، قال الجبائى من المعتزلة : يخلق الله الماء فى السماء ثم يرسله إلى السحاب ، وحمل السماء على المتبادر هو المتعين عنده لعدم دليل على التأويل ، وقيل : المراد بالسماء جهة السماء ، والله قادر أن ينزل الماء من السماء مسيرة عشرين سنة فى ساعة أو لحظة ، ولكن المتبادر السحاب أو جهة السماء ، وجاء أخرجنا على طريق الالتفات من الغيبة إلى التكلم والنبات الأغصان والأوراق الخشب والأعواد ، وكل شئ بمعنى كل شئ من الثمار التى خلقها الله ، فنبات التمر الجذع والجريدة ، ونبات الشعير ساقه وأوراقه ، ونبات التين أوراقها وأعوادها ونبات القرع عصنه المنبطح على الأرض وورقه .

وقيل : كل شئ هو النبات أيضا لكنه أخص باعتبار أفراده ، فيكون نبات أعم ، وإضافته إضافة علم لخاص ، لأنه بمنزلة نبات النخل وشجر العنب وشجر التين وهكذا ، والمعنى أخرجنا نبات كل شئ مما اعتيد أنه ينبت سواء حملنا كل شئ على الثمار أو على الغصن والورق ، ودخل فى ذلك الكمأة ، وخرج ما لا يكون له نبات ، والآية دليل القدرة ، إذ قدر على إخراج أنواع مختلفة بماء واحد ، وذلك اختلاف فى الغصن والورق كما يذكر الاختلاف فى الثمار ، إذ قال : ﴿ تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض فى الأكل ﴾ وقيل : النبات الغذاء الذى ينبت به الجسم وهو الثمار ، وكل شئ هو الحيوان الذى يأكل نبات الأرض وثماره ، والهاء عائدة إلى الماء .

وأما الهاء فى قوله : ﴿ فأخْرجْنا منْه خَضِراً ﴾ فللماء أيضا أو للنبات ، والخضر الشئ الأخضر ، والمراد الأغصان والورق الخارجة من أبزارها ، وقيل : المراد بالخضر ما حسن منظره بلا اعتبار لون الخضرة ﴿ نُخْرج منهُ حبّاً مُتراكِباً ﴾ وقرأ الأعمش وابن محيصن : يخرج منه حب متراكب بالبناء للمفعول ، ورفع حب متراكب وعلى القراءتين : الجملة نعت خضراً ، وهاء منه عائدة إليه ، ومعنى متراكباً ، متراكباً بعضه على بعض كما ترى السنبلة والرمانة حبة على حبة ، وقدم الحب على التمر لأنه قوت مألوف فى كل بلد يغنى عن التمر عالياً ، وحاجة الناس إليه أكثر ، والتمر كالفاكهة ، وإنما يكتفى بها أهل الشدة ، وربما اكتفى به أعراب الحجاز .

﴿ ومِنَ النَّخْل مِنْ طَلعِها قِنْوانٌ دانِيةٌ ﴾ الواو عاطفة لأخرجنا محذوفاً يتعلق به ، من النخل ناصباً لمحذوف ، والمحذوف منعوت بقوله : ﴿ من طلعها قنوان ﴾ أى وأخرجنا من النخل نخلا من طلعها قنوان ، ومعنى إخراج النخل من النخل إخراج نخل تكون من نوع النخل ، أو إخراج نخلة من أصل نخلة ، أو من جذعها ، فتكون هذه ذات قنوان دانية ، فما حال أصلها ، والمعطوف عليه أخرجنا الأول ، وإن شئت فقل ذلك من العطف على معمولى عامل واحد ، ويجوز أن يكون من النخل خبراً مقدماً ، ومن طلعها بدل بعض ، وقنوان مبتدأ موجز ، فتعطف الجملة الاسمية على الفعلية ، ويجوز تعليق من النخل يكون خاص ، أى ومخرجة من النخل ، من طلعها قنوان ، والطلع الكفرى ، والقنوان جمع قنور وهو العذق أعنى الشماريخ مع ثمارها ، وقرئ بضم القاف جمعاً أيضا كذيب وذوبان ، وقرئ بفتحها على أنه اسم جمع ، لأن فعلان بفتح الفاء لا يكون جمعاً ، ودانية قريبة للتناول لقربها من الأرض لصغر النخل ، فيتناول المضطجع والقاعد والقائم .

٢٬٠٩٩ / ٧٬٦٨٠