128
الجزء ٥ · صفحة ١٤٦﴿ وَيومَ يحْشرهم جميعاً ﴾ مفعول لمحذوف ، أى واذكر يوم يحشرهم ، ويقدر القول حالا ناصباً لقوله : ﴿ يا مَعْشر الجنِّ قد اسْتكثرتُم مِن الإنسِ ﴾ وصابح الحال المستكن فى نحشرهم ، أى واذكر يوم نحشرهم قائلين يا معشر الجن ، والحال مقدرة أن يريد بالحشر البعث من القبر ، وأن يريد استكمالهم فى الموقف بعد البعث من القبر ، فهى مقارنة ، ويجوز أن يكون استكمالهم فى الموقف بعد البعث من القبرن فهى مقارنة ، ويجوز أن يكون يوم ظرف لنقول ، ناصباً لقوله : ﴿ يا معشر ﴾ إلخ أى ونقول يوم نحشرهم جميعاً يا معشر الجن الخ ، وهذا قول الزجاج ، إلا أنه يقدر القول مبنياً للمفعول مؤخراً كهذا ، ويوم نحشرهم جميعا يقال : يا معشر الجن ، والظاهر أن هذا المبنى للمفعول فاعله غير الله ، أى ويقول الملك ، لأنه لو كان الله لقدر نقول فقيل : إن الله جل وعلا لا يكلم المشركين بنفسه ، ولا يكلمهم الله ، ولا ينظر إليهم .
والحق أن الله منزه عن التلفظ لمؤمن وكافر ، والمتلفظ على كل حال هو الملك ، سواء قدرنا قائلين ، أو يقال ثم رأيت ما يدل بما ذكرته فى الكشاف إذ علقه بقول مؤخر كالزجاج ، لكن الله إذ قال : أو يوم نحشرهم ، قلنا : يا معشر الجن ، وأجاز وجهاً آخر هو أن يقدر قول معطوف على يحشر ناصب ل : ﴿ يا معشر ﴾ الخ ، يعلق اليوم بمحذوف مقدر بعد النداء ، حذف للتهويل ، أى ويوم نحشرهم ، وقلنا يا معشر الجن إلخ كان ما لا يوصف لقضائه ، ولك وجه آخر أن يقدر يا معشر الجن الخ نائباً عن فاعل حال مقدر ، أى واذكر يوم يحشرهم مقولا لهم يا معشر ، فيكون صاحب الحال الهاء ، والظاهر مما قرب عود الهاء إلى المجرمين والمؤمنين جميعاً لعمومهم فى قوله : ﴿ فمن يرد الله أن يهديه ﴾ ﴿ ومن يرد أن يضله ﴾ ويجوز عودها إلى كفار الإنس والجن فى قوله : ﴿ ليوحون إلى أوليائهم ﴾ قيل : تعود إلى كل ما يبعث من الجن والإنس والدواب والطير والحوت وغير ذلك ، ولو كان الخطاب بالنداء للثقلين فقط والمحتمل لعله المعشر الجماعة التى ضبطهم أمر واحد كالمعاشرة والمخالطة ، أو دين واحد كقوله A : « نحن معاشر الأنبياء » أو غير ذلك .
والمراد بمعشر الجن الكفار منهم ، ولذلك فسر بعضهم الجن بالشياطين ، ولا مانع من إرادة المجموع الجن كلهم ، لكن الكلام كل لا كلية لأنهم ليسوا كلهم فيهم ما ذكر فيهم من السوء بعد ، وقرأ عاصم فى رواية حفص عنه ويعقوب فى وراية : روح عنه ويوم يحشرهم بالتحتية برد الضمير المستتقر إلى رب فى قوله تعالى : ﴿ عند ربهم ﴾ .
﴿ قَدِ اسْتكثرتُم مِنَ الإنسِ ﴾ قال مجاهد والحسن والكلبى : أى من إغواء الإنس وإضلالهم بالوسوسة ، ولا قدرة لهم على الجبر ، والسين والتاء للعلاج والمبالغة والطلب ، أى طولتم كثرة إغواء إبليس الإنس ومنى الابتداء وذلك فى الدنيا ، ويجوز أن يكون المعنى حاولتم أن يكثر عددكم وأتباعكم ، وأخذتم الكثرة من الإنس بأن وسوستموهم فاتبعوكم فى الدنيا فحشروا معكم اليوم ، وهذا الاستكثار فى الدنيا ظهرت نتيجته فى الآخرة إذ حشروا معهم ، وذلك تبكيت لهم وتوبيخ على إضلال الإنس تضمن توبيخاً وتبكياً للإنس والتابعين ، وليس كثرة العدد قصداً للجن فى الآخرة ، ويجوز أن يقصدوا وجودها فى الدنيا ، كما روى أن عظماء الجن الذين يعوذ بهم الغنس فى أسفارهم يعجبون بذلك ، ويقولون : ملكنا للإنس والجن ، ولما حصل تبكيت الإنس التابعين لهم حكى الله جل وعلا جواب الإنس بقوله :
﴿ وقال أولياؤهم مِنَ الإنس ﴾ أى الذين أطاعوا الشياطين من الإنس ﴿ ربَّنا اسْتمتعَ ﴾ انتفع ﴿ بعضُنا ببعْضٍ ﴾ بعض الإنس ببعض الجن ، وبعض الجن ببعض الإنس ، فانتفاع الإنس بالجن بكون الجن يدلونهم على أشياء خفية على ألسنة الكهان وغيرهم ، وعلى الشهوات وما يوصل إليها ، وإجارتهم اذ استجاروهم كقولهم : أعوذ بعظيم هذا الوادى ، ويعينونهم فى أمر السحر وانتفاع الجن بالإنس تعاظمهم باستجارة الإنس فإنهم يرون استجارة الإنس شرفاً لهم ، وطاعة الإنس لهم فيما يأمرونهم به ، وتقربهم إليهم بالذبائح وغيرها ، ولا يضعف ذكر الاستجارة فى الانتفاع فله من يستجير بهم ، لأن بعضا ينتفع بالاستجارة ، وبعضا بغيره ، وإنما يضعف نقلته قول من فسر الانتفاع فى الآية بها فقط ، بأن قال انتفاع الجن تعاظمهم باعتراف الإنس لهم بالسيادة وطلب الإجارة ، وانتفاع الإنس انتفاعهم بإجارة الجن وهو قول الكلبى ، وأصله من قوله تعالى :